اقتصاد لبنان في مأزق... هل يكون الحل بتحرير الليرة؟

الاثنين 17 كانون أول 2018

اقتصاد لبنان في مأزق... هل يكون الحل بتحرير الليرة؟

جريدة النهار-سلوى بعلبكي

١٧/١٢/٢٠١٨

مع استفحال الازمة الاقتصادية والمالية، بدأ الحديث عن ضرورة تحرير قيمة الليرة اللبنانية من أجل تنشيط الحركة الإقتصادية والتصديرية في البلاد. لكن في المقابل ثمة من يحذّر من هذا التوجه على اساس أن خفض قيمة الليرة، في حال حصوله، ستكون له تكاليف أكبر وأخطر من كلفة المحافظة على ثباتها.

يشهد الإقتصاد اللبناني منذ أعوام درجة عالية من الدولرة تربو على 70% حالياً، بما يعني أن الفوائد الإنتاجية والتصديرية من خفض قيمة النقد لن تكون بالدرجة المتوقعة، فما هي هذه المخاطر، وإلامَ يستند اصحاب هذه النظرية؟

لا تقتصر كلفة تحرير النقد، برأي الخبير الاقتصادي الدكتور عماد شهاب، على الأمور الاقتصادية والاجتماعية والمالية، بل "ثمة كلفة سياسية لهذا التوجه، إذ سيؤدي خفض قيمة العملة إلى إضعاف أكبر لصدقية الطبقة السياسية، والثقة بقدرتها على معالجة الأوضاع الإقتصادية والمالية والإجتماعية الراهنة، مع ما لذلك من انعكاسات سلبية على الصورة العامة لأهل السياسة حيال المواطنين في لبنان، وكذلك حيال المجتمع الدولي، بما قد يترتب عليه تراجع الدعم الدولي للبنان".

والى المحاذير السياسية، ثمة محاذير اقتصادية واجتماعية "سلبية وخطيرة"، إذ برأي شهاب سيرتب "هذا الخفض فوضى وخسارة للبنانيين أكبر من تلك التي تنشأ عن عدم خفضه. وأولى النتائج التي ستترتب عليه ارتفاع كبير في الأسعار، إذ مع اعتماد سياسة تثبيت الليرة اللبنانية، بدءا من العام 1993، تراجع معدل التضخم بشكل كبير وتدرّجي من 120% للعام 1992 إلى نحو 5% في الاعوام الأخيرة، والذي تغذّى في العام 2018 من إقرار سلسلة الرتب والرواتب التي بلغت كلفتها أكثر من ملياري دولار". وفيما يشير الى أن "ارتفاع معدلات التضخم، في حال خفض قيمة الليرة، سينجم عنه إنخفاض بالمقدار عينه للقدرة الشرائية للمداخيل بالليرة، وسيستدرج هذا الأمر تحركات جديدة لا تحصى لتصحيح الأجور من أجل إعادة القدرة الشرائية المفقودة لليرة كما حصل في فترة التسعينات، بما قد يتسبّب بزيادة معدلات الصرف من العمل، وتالياً رفع معدلات البطالة التي تناهز 20% عموما وما بين 30 الى 40% بين الشباب"، يعتبر "ان الإنهيار الذي سيلحق بالقدرة الشرائية للأجور سيعزز دوافع العاملين بالأجر للعمل خارج لبنان، مما يزيد الهجرة وتالياً خسارة لبنان جزءا إضافيا من أدمغته وكفاياته البشرية، كما حصل خلال فترة الثمانينات والتسعينات. والاهم ان خفض سعر صرف الليرة سيكون له أثر آخر يتمثل في زيادة الأعباء التي تتحملها الدولة على صعيد خدمة الدَّين".

هذه التكاليف المحتملة لخفض قيمة النقد هي أكبر من كلفة تثبيت سعر الصرف، وفق ما يقول شهاب "فكلفة التثبيت تتمثل في الكسب الفائت على المصارف بسبب السيولة العالية التي تضغط للإحتفاظ بها، وخصوصاً بالعملات الأجنبية من أجل التعامل مع الأوضاع الطارئة، وكذلك بسبب معدلات الاحتياط الإلزامي المرتفعة بالليرة. وتتمثل ايضا في تحميل الاقتصاد جزءا من الكلفة من خلال مديونيته التي كان ممكناً، في ظل ظروف طبيعية، توفيرها للمؤسسات والأسر والأفراد بمعدلات فائدة أدنى مما هي عليه حالياً، وكذلك في دفع مصرف لبنان الى التدخل لدعم التسليف لقطاعات اقتصادية وفئات اجتماعية قد لا تكون مؤهلة بقدراتها الذاتية للولوج إلى أسواق الاقتراض في لبنان".

أما وجهة النظر المغايرة لنظرية شهاب والتي تتمثل بتحرير النقد، وإن كان ليس بشكل مطلق، وفق ما ينادي الخبير الاقتصادي الدكتور ايلي يشوعي، فتركز على ضرورة إفادة القطاع الخاص من السيولة للمساهمة في نمو الاقتصاد وتأمين فرص العمل. وهو ما يطالب به يشوعي الذي يقول لـ"النهار": "مع الاسف، سياسة البنك المركزي منعت الكثير من الرساميل عن القطاع الخاص واعتمدت سياسة انكماشية بعدم توفير سيولة كافية لكي تبقي الفوائد، خصوصاً على الليرة اللبنانية، مرتفعة من أجل تثبيت سعر صرفها".

لطالما نادى يشوعي بعدم فصل النقد عن الاقتصاد، وهو ما اثار انتقادات واسعة وتخوفا من تفلّت سعر الدولار، لكن يشوعي ينفي ذلك، موضحا أن ما يهمه هو "أن تكون الليرة والدولار - اللذان كانا يتوافران بكثرة في البلاد - في خدمة الاستثمارات الخاصة، لا أن يموّلا خزينة ودولة وسياسيين اتصفوا بالكثير من الصفقات والمحاصصة والتسيّب وعدم الانضباط المالي في الانفاق الرسمي". وأكثر... فإن يشوعي يتهم القطاع المصرفي، بطريقة غير مباشرة، بتمويل فساد المسؤولين، إذ "بدل أن تضرب المصارف يدها على الطاولة، وتهدد بعدم قبولها إقراض الدولة اذا لم ينضبط مسؤولوها ماليا ويصبح انفاقهم شفافا وذا جدوى، استمرت بالتمويل الى ان وصلنا الى ما وصلنا اليه، حيث مستوى الدَّين (مع المتأخرات) ناهز المئة مليار دولار، علماً أن هذه الديون لم تفلح بتحسين شروط حياتنا ولم تؤمن خدمات ولا بنى تحتية".

أمام ما تقدم، يعتبر يشوعي أن التثبيت النقدي كان مكلفا جدا، كونه كان يحتم تدخلات كبيرة من مصرف لبنان عبر بيع الدولارات في الاسواق، مؤكدا ضرورة "ترك قوى السوق تقرر سعر النقد (سعر الفائدة) وسعر صرف الليرة والعملات. اقتصادنا اقتصاد حر، ولا يمكن أياً كان أن يسعّر قيمة الليرة تجاه الدولار، أو قيمة الفائدة بطريقة يخدم بواسطتها 10% من اللبنانيين، ويؤذي السواد الاعظم منهم".

مقاربة توفير السيولة للقطاع الخاص، يعتبرها يشوعي "مقاربة علمية جدا، ومنتهَجة من كل المصارف المركزية التي تحترم ناسها وشعبها واقتصادها ودولها". فتوفير السيولة للقطاع الخاص بالكلفة المناسبة من أجل الاستثمار وتحفيز النمو "يعزز تلقائيا الثقة بالعملة التي هي بمثابة المرآة التي تعكس حال الاقتصاد". وإذ يؤكد أنه "لا يمكن أي بنك مركزي في العالم مهما كان قويا أن يستمر بهكذا سياسة مع اقتصاد لا ينمو كما يجب، ولا يستثمر كفاية، ولا يستهلك كفاية"، يعتبر أن "المأزق الذي وصلنا اليه ما هو إلا دليل على ذلك. شح في السيولة والحاجة المتواصلة لها من خزينة غارقة في الديون وفي الاستحقاقات، وهذا كله على حساب الناس وحاجاتهم والاقتصاد وحاجات الشركات التي تسقط الواحدة تلو الاخرى بسبب عدم قدرتها على توفير الرساميل التشغيلية