ادمون صعب ... فارس صعب في مهنة عقوق

الثلاثاء 29 كانون ثاني 2019

 ادمون صعب ... فارس صعب في مهنة عقوق

حبيب شلوق
لا أعرف كيف ظهرت لي تلك الصورة التي تعود إلى نحو أربعين عاماً، عندما تلقيت خبر وفاة الأستاذ ادمون صعب، من مصدر كان يفترض أن يكون غير المصدر الذي أوصل الخبر إلى رفاقه، بالتواتر.
فالمصدر الذي كان يفترض أن يكون مصدر الخبر... كان في غيبوبة، ولنحاول الاحتفاظ باقتناع بأن ما من سوء نية.
ادمون صعب نسر من نسور المهنة هوى... بل قل كلا فالنسور لا تهوي، انما تحط لاستراحة. وادمون تعب وينبغي أن يستريح. 
ادمون صعب هذا الصحافي المتمرد الآتي من عروس البقاع ومن وكر نسور ليحط في عاصمة الحرف والقانون ، وجد في بيروت مَن يتلقّفه ويحتضنه من رسل المهنة عنيت به استاذ فرنسوا عقل الذي شجّعه على الغوص فيها والتماهي والتعبد والعشق.
وادمون صعب يحفظ... وحفظ لراعيه.
كذلك كان ادمون صعب وفياً لـ"نهاره" نهار غسان تويني. ورحل عنها قسراً قبل نحو من عشر سنين، لكنه ظل وفياً. 
رحل وفياً.
كان لإدمون صعب أسلوبه الخاص. كان شرساً في مواقفه لا يرضخ ولا يستكين إلا إذا اقتنع. كان لا يساوم بل يقول كلمته ويمشي. وقد تكون انطلاقاته السياسية وأفكاره الوطنية ومعتقداته القومية وتشبعه بفكر أنطون سعاده وغيره من المفكرين المسيحيين المشرقيين، فتحت آفاق ثقافته وعولمته. 
ادمون صعب المسيحي المؤمن الثابت في ايمانه، غير المتطيّف والمتمذهب، كان يعود إلى الإنجيل لتدعيم أفكاره ويغرف من القرآن لتعزيز اقتناعاته.
ادمون صعب كان مدير تحرير تنفيذياً . كان ابن مهنة برع في كل مجال من مجالاتها، من التحرير، إلى الكتابة، إلى الصحافة التسويقية، والإعلانية وكتابة المقالات. ومن التحقيقات حيث انطلق، إلى التربويات والمدنيات حيث حط رحاله في عز الحركات الطلابية في أواخر الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، وهو بدا بالممارسة كأنه أحد انشط أركان "حركة الوعي"، حتى عندما كان المعلم غسان تويني وزيراً للتربية في بدايات عهد الرئيس سليمان فرنجية، إلى درجة أنه كاشفه مرة عن "ثرثرة" في بعض أروقة الحكم عن أصابع لغسان تويني في تغذية الحركة الطلابية عبر ادمون صعب الزحلاوي صديق جوزف سكاف.
كان ادمون صعب معلماً لكثيرين من الجيل الطالع، جيل "النهار" الذي خسر بابتعاده قسراً عنها مدماكاً من مداميك قامت عليها .
وفي عودة إلى معرفتي بالأستاذ ادمون وباستعادة صورة لا تزال حية منذ تلك الحقبة، أذكر جيداً في بداية السبعينات أننا كنا من الناشطين في الحركة الطالبية ، ولما كنت مولعاً بالكتابة والصحافة كنت أشارك في النشاطات وخوض الإنتخابات منذ الصفوف الثانوية، وأتولى في الوقت نفسه نقل هذه النشاطات إلى صحف "الجمهورية"(لصاحبها هنري سجيع الأسمر) و"لسان الحال" (لجبران حايك) و"صدى لبنان" (لمحمد بعلبكي)، وكلها كانت تصدر ظهراً، وكانت مشرّعة أمام تلك التحركات الطالبية ولاسيما منها "الجمهورية" القريبة من الكتلة الوطنية وعميدها ريمون اده الذي كان بدأ التململ من عهد ساهم في صنعه وراح يخطو خطوة خطوة نحو المعارضة. كنت استودع الخبر هذه الصحف قبل الظهر، ثم انقله بمزيد من التفصيل مساء إلى "النهار" تلك القلعة الضخمة والهامة الإعلامية الشامخة في لبنان والشرق والعالم. هناك كنا نودع الخبر في "ملجأ الحرية" ونعرّج على مكتب الأستاذ ادمون حيث نستزيد "شراسة" مطلبية وعنفواناً . وبين الحين والآخر وخصوصاً عندما التحقت بكلية الحقوق والعلوم السياسية على مرمى حجر من مبنى "النهار" في الحمراء، وأصبحت عضواً منتخباً في مجلس الكلية ممثلاً "حركة الوعي"، كنا نحجّ إلى مكتب "استاذ ميشال" (أبو جودة) لنغرف من معينه فكراً وثقافة وعلماً وبعد نظر وبصيرة.
ويشاء القدر أن انتمي في أواخر السبعينات إلى أسرة مراسلي "النهار" ومندوبيها، وعندما أتوجه مساء إلى الجريدة لصوغ الخبر، كان من حسن حظي أن طلب مني أستاذي واستاذ الجميع ومتبنّي انتسابي إلى "النهار"فرنسوا عقل أن "أزرك" كرسياً بين كرسيين على مكتب واحد عريض، يعتلي الأولى معلم اللغة ومدرّس صحافيي تلك الحقبة وجلّهم من الناجحين سكرتير التحرير الأستاذ إميل داغر، والثانية مساعد سكرتير التحرير ديدبان الحركة الطالبية الصحافي الممانع والشرس ادمون صعب.
كانت تلك الفترة هي الأكثر تمرساً في مسيرتي المهنية، وكنت أحرص على تنمية خبراتي وتضلّعي في المهنة، من خلال زيارة استاذ فرنسوا يومياً وأستاذ ميشال دورياً و"المعلم" كلما حالفني الحظ في أن يطلب مني شرح موقف أو استيضاح خبر أو استعلاماً عن تحرك أو قضية.
أيام من ذهب عرَفتها "النهار" في تلك المرحلة. لكن المهنة الجحودة العقوقة قاسية وقاسية جداً. وكم من صحافي مات مرتين!! 
ادمون صعب أنت كبير، أعمالك كبيرة وكثيرة ومميّزة . قد تباعد المواقف السياسية والمعتقدات بين بني البشر أو بين البعض والبعض الآخر لكن هذا غنى للفكر. ادمون صعب كنت أستاذاً وصديقاً وأخاً لكثيرين. وأنا أحفظ الصداقة. 
ادمون صعب ... ضيعانك.