هل هي أزمة ثقة أم روائح فساد؟

الأربعاء 27 شباط 2019 نبيل موسى

هل هي أزمة ثقة أم روائح فساد؟

نبيل موسى-يعيش اللبنانيون بمختلف انتماءاتهم السياسية والطائفية أزمة ثقة مع الدولة، بسبب التناقض بين ما يسمعونه من مسؤوليهم عن الشفافية ونظافة الكف ومكافحة الفساد من جهة، وبين ما يرونه يوميًا من تواطؤ بين مكوّنات السلطة على ممارسة عكس ما يبشّرون به.

عشيّة نيل الحكومة الجديدة الثقة، أُصيب اللبنانيون بالملل الذي بلغ حدّ القرَف لشدّة ما سمعوا من على منبر مجلس النواب كلمة فساد مقرونة بخطط ووعود لمكافحته. حتى المتابع ليوميات الحياة السياسية في بلادنا لم يكن ليتصوّر أن المرض القاتل الذي اتفقوا على تسميته بالفساد قد بلغ هذا الحد من الانتشار في جسم الدولة، حتى بات من الصعب، اذا لم يكن من المستحيل، علاجه من قبل الطبقة السياسية الحاكمة المتهمة في معظمها بنشر هذا المرض، أو على الأقل بغض النظر عن انتشاره، إرضاءً لحليف من هنا أو تحقيقًا لمصالح صغيرة من هناك.

الكل أجمع على ضرورة مكافحة هذا المرض العضال والقضاء عليه... وسريعًا انتقلت بعض الأطراف الى الوفاء بوعودها.

حزب الله الذي أقرّ بنفسه بافتعال حرب تموز من العام 2006 وما جرّته على البلاد من ويلات وخسائر بمليارات الدولارات، قرّر البدء بمكافحة الفساد من المكان الذي ابتلى الدولة اللبنانية كلها به، أي من العام 2006 من خلال إعادة فتح ملفات الأحد عشر مليار دولار التي يدّعي أنها فُقدت في تلك الفترة من وزارة المالية، فيما لا يزال الرئيس فؤاد السنيورة يؤكد أن أوامر صرفها موثقة ومعروفة وواضحة.

انطلاقًا من معطيات هذا الملف، يتوقع العارفون ببواطن الأمور في تيار المستقبل وجود اتجاه لدى حزب الله لفتح اشتباك سياسي جديد مع التيار الأزرق  قبل أشهر قليلة من صدور حكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ويؤكدون أن لجوء حزب الله الى فتح هذا الملف في هذا التوقيت بالذات لا علاقة له بمكافحة الفساد التي وعد بها جمهوره، بل بافتعال أزمة داخلية خدمة لأجندته السياسية الخاصة به.

الملف الأول إذًا الى طريق مسدود خلال فترة غير بعيدة، خاصة في ظل تجربة مماثلة سابقة قام بها التيار الوطني الحر ولم تصل أيضًا الى خواتيمها المرجوّة.

الملف الثاني في كتاب مكافحة الفساد فتحه عضو تكتل لبنان القوي النائب ابراهيم كنعان في مجلس النواب بصفته رئيسًا للجنة المال والموازنة. تشاور كنعان مع الرئيس نبيه بري وقرّر فتح ملف توظيف نحو خمسة آلاف شخص في ملاك الدولة بصورة غير قانونية عشيّة الانتخابات النيابية الأخيرة. رأى كنعان البدء بوزارة التربية صاحبة الحصّة الكبرى في التوظيفات الجديدة، فاستدعى الوزير أكرم شهيّب للمثول أمام اللجنة للوقوف على معطياته في هذا الملف. شهيّب لم يحضر، كنعان استشاط غضبًا وتأجل الاجتماع أسبوعًا.

ولكن يبقى السؤال بعد أسبوع (مهلة كنعان لشهيّب) أو شهر أو أكثر: من يحاسب من في قضية مُتهم بالتورط فيها معظم الأحزاب المشاركة في الحكومة والبرلمان، ومن بينها التيار الوطني الحر؟ فهل يصل كنعان الى محاسبة التيار وحلفائه وخصومه؟

بناءً عليه، يبدو أن حزب الله والتيار الوطني الحر قد "كبّرا الحجَر" عمدًا في بداية حملة مكافحة الفساد حتى لا يبلغ مداه المطلوب، لتبقى الشعارات مجرّد شعارات، وتكبر بالتالي أزمة الثقة بين المسؤول والمواطن، هذا المواطن نفسه الذي قرّر إعادة انتخاب الطبقة السياسية نفسها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

إلا أن هذا المواطن لم يعد يبالي اليوم بالصفقات والسرقات السابقة التي زادت بالمليارات الديون المترتبة على خزينة الدولة، وبات جلّ ما يطلبه هو وقف الفساد عند النقطة التي بلغها، في ظل ما يُحضّر له البعض من صفقات وسمسرات وعمولات جديدة تنتظر أموال مؤتمر سيدر، وخاصة في مجالات الكهرباء ومحارق النفايات والاتصالات والبنى التحتية والنازحين السوريين...

هذا المواطن اليائس الذي يئنّ ألمًا ويكتوي بنار الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد يناشد ما تبقى من ضمائر المسؤولين: أرجوكم لا تتلهّوا بنبش القبور العفنة التي لا طائل من نبشها، وركّزوا جهودكم وافتحوا أعينكم على ما يعدّ له البعض من صفقات.