التسوية الرئاسية تسحقها الأزمات المؤجلة والانتقامات المكبوتة

الاثنين 04 آذار 2019 نبيل موسى

التسوية الرئاسية تسحقها الأزمات المؤجلة والانتقامات المكبوتة

ما تشهده الساحة الإعلامية من حروب بيانات واتهامات بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر وحزب الله يوحي بأن التسوية الرئاسية بين التيارين باتت تترنّح تحت وطأة الضغوط التي يمارسها الحزب على خلفية قضية الأحد عشر مليار دولار التي يدّعي فقدانها من وزارة المالية خلال حرب تموز من العام 2006 وما أعقبها خلال مرحلة إعادة بناء ما دمّره العدوان الإسرائيلي خلال هذه الحرب.

الحرب الإعلامية بين تلفزيوني التيارين الأزرق والبرتقالي سببها الحقيقي ليس قضية المليارات المفقودة وما تلاها من "إبراء مستحيل" الذي أصبح لاحقًا غير مستحيل. كما لا يعود سبب هذه الحرب الى ما ذهب إليه البعض من التلميح الى قول رئيس الجمهورية ميشال عون "الأمر لي" على طاولة مجلس الوزراء ما قبل الأخير، وما أعقبه من دعوة رئيس الحكومة سعد الحريري الى عقد جلسة لمجلس الوزراء في السراي الحكومية وليس في القصر الجمهوري، وذلك للمرة الأولى منذ التسوية الرئاسية بين التيارين.

قد يكون ما سبق، أو ربما بعضه، صحيحًا كسبب لعودة الصراع بين التيارين "الحليفين اللدودين"، وقد لا يكون. إلا أن الأكيد أن سبب هذه الأزمة وغيرها من الأزمات السابقة واللاحقة هو سياسة تأجيل الأزمات، أو ربما "سياسة أنصاف الحلول" التي دأبت هذه الحكومة وسابقاتها بالتكافل والتضامن مع مجلس النواب على اعتمادها.

أزمة الأحد عشر مليار دولار ليس سببها قرار حزب الله مكافحة الفساد انطلاقًا من هذه القضية الشائكة، بل يعود سببها الحقيقي الى إقرار الحكومة والبرلمان موازنتي العامين 2017 و2018 من دون قطع حساب، ما أبقى الجرح مفتوحًا ونازفًا أمام كل من يريد أن ينكأه في أي وقت يريد، ما سمح باندلاع هذه الأزمة التي تبدو للكثيرين مفتعلة لغايات مجهولة معلومة في نفوس مفتعليها.

سياسة تأجيل الأزمات غالبًا ما تؤدي الى قرارات خاطئة، وبالتالي الى نتائج خاطئة، والأمثلة على ذلك كثيرة نكتفي بالتذكير ببعضها:

-سلسلة الرتب والرواتب سيّئة الذكر التي أقرتها الحكومة السابقة ومجلس النواب السابق مع ما رافقها من ضرائب أثقلت كاهل المواطن وانعكست سلبًا على الوضع الاقتصادي المتردي أصلًا. هذه السلسلة التي كانت بمثابة "رشوة انتخابية عامة"، أجمعت كل الأطراف السياسية اليوم على أنها كانت قرارًا خاطئًا ومتسرّعًا دفع الاقتصاد الوطني برمّته ثمنها.

-في عودة غير بعيدة بالذاكرة الى ما قبل السلسلة، لا بد من استرجاع قانون الإيجارات للشقق السكنية سيّئ الذكر أيضًا الذي مرّ في مجلس النواب بموافقة أغلبية الكتل السياسية بطريقة غير مفهومة في حينه، قبل أن يعترف الجميع لاحقًا بأنه أقرّ قبل أن يستوفي حقه في الدراسة، ما أوقع المستأجر والمالك والقضاء في أزمة متفاقمة لم يتم حلها الى الآن، خاصة بسبب عدم إنشاء وزارة المالية الى الآن الصندوق المنصوص عليه في القانون، ما اعتُبر عدم التزام من قبل الدولة بالقانون، وهو ما أدّى في وقت لاحق الى عدم التزام نسبة كبيرة من المستأجرين به وأدخل جميع الفرقاء في دوّامة لا يعرف أحد الى الآن كيفية الخروج منها.

-في عودة أبعد بالذاكرة لا بد من استذكار قانون السير الذي أقرّه أيضًا مجلس النواب السابق بعد أشهر من الدراسات والمناقشات في اللجان المختصة والهيئة العامة. أين هو هذا القانون اليوم وماذا طُبِّق منه؟ للأسف إنه ينام في الأدراج الرسمية باستثناء بندين أساسيين منه يدران الأموال الطائلة على الدولة هما الحد الأقصى للسرعة وإلزامية استعمال حزام الأمان. ماذا عن استعمال الهواتف الخليوية في أثناء القيادة؟ ماذا عن نقل الأطفال من دون وسائل الأمان الخاصة بهم مثل المقاعد الخاصة وغيرها؟ ماذا عن تنقل سيارات لا تنطبق عليها أي من مواصفات السلامة على الطرقات؟ ماذا عن الكارثة المتنقلة التي تسببها الدراجات النارية المخالفة لسائقي السيارات...؟

-في مثال آخر على سياسة تأجيل الأزمات، لا بد من استذكار قرار وزير الاقتصاد السابق رائد خوري حول عدادات مولدات الكهرباء وما أعقبه من تسخير لكل طاقات الوزارة لشن حرب (وإن كانت محقّة) على أصحاب المولدات وصولًا الى زجّهم في السجون. قرار الوزير محق بالتأكيد وشعبوي بالتأكيد، ولكنه كان ليكون محقًا أكثر لو سجن في زنزانة واحدة مع أصحاب المولدات كل المسؤولين الذين لم يؤمنوا الكهرباء للمواطن ما دفعه الى الارتماء في أحضان أصحاب المولدات. فالمشكلة تكمن في عدم تأمين الدولة الكهرباء للمواطن، وليس في وجود مولدات في الأحياء، وإن كان بعض أصحابها لم يشبعوا بعد من مص دم المشتركين المغلوب على أمرهم.

الأمثلة على سياسة تأجيل الأزمات باتخاذ قرارات خاطئة لم تؤدّ إلا الى نتائج خاطئة لا تعدّ ولا تحصى. إلا أن الخوف، كل الخوف، بات أن يتحوّل "الإبراء المستحيل" الذي أهداه التيار الوطني الحر مؤخرًا الى حزب الله الى إصلاح مستحيل في عهد لبنان القوي بفعل الصراعات العمودية التي برزت في الأيام الأخيرة والتي لم يبرز منها الى الآن إلا رأس جبل الجليد الغائر عميقًا في بحرنا الهائج.