مصر في دورها التاريخي بين إشعال النار اللبنانية وإخمادها

الخميس 02 أيار 2019 المحرر الديبلوماسي

مصر في دورها التاريخي بين إشعال النار اللبنانية وإخمادها

تتخذ زيارة رئيس وزراء مصر مصطفى مدبولي أهمية في توقيتها التي تتقاطع فيها العلاقات الثنائية والتوترات الإقليمية والمآزق الاقتصادية في لبنان.

وفي حين تكتمت الدوائر اللبنانية والمصرية عن "القطبة المخفية" في الزيارة وما ينتج عنها من تصاريح تقليدية تُسوّق للاعلام، فإنّ ما يجمع البلدان حاليا هو "الاهتزاز الاقتصادي وصراعات المحاور الاقليمية" مع أنّ المناسبة هي المشاركة في منتدى الاقتصاد العربي ٢٠١٩.

يرى ديبلوماسي لبناني متقاعد، معني بالعلاقات الثنائية، أنّ "مصر بقيادتها استطاعت الخروج من مأزقها بانفتاح مجد وصادق سياسيا مع المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة"، ولم يشأ الديبلوماسي اللبناني أن يتطرق الى الأداء اللبناني في الخروج من المأزق المالي الذي يتحكّم بالدولة اللبنانية.

ودعا فقط الى "أخذ العبرة مما يدور حوله من تغليب المصالح الوطنية على ما عداها خصوصا في مصر والأردن امتدادا الى العراق وإن بنسب متفاوتة".

كما دعا الى مراجعة "تاريخ العلاقات اللبنانية-المصرية، وأنّ مصر كانت تتدخل في المفاصل الخطيرة في تاريخ لبنان".

ليبانون تابلويد راجعت تاريخ هذه العلاقة، واستنتجت أنّ قراءة الديبلوماسي لهذا التاريخ صحيحة.

فمصر ضغطت عربيا من أجل استقلال لبنان، وأعطته ما يرضيه ويخفّف من هواجس شريحة من اللبنانيين، أثناء صياغة بروتوكول الإسكندرية وهيكلية جامعة الدول العربية(١٩٤٤).

لعبت مصر في أربعينات القرن الماضي على التناقضات الفرنسية البريطانية لتُساهم في إرساء المعادلة اللبنانية الاستقلالية، وهي القبول بالكيان اللبناني على قاعدة وجهه العربي، فانطلق لبنان- الاستقلال بجناحيه.

وفي المفاصل، حنت الدولة المصرية على لبنان "كبلد صغير وشقيق"، لكنّ عبدالناصر لم يسامح البرودة اللبنانية بدفع من الرئيس كميل شمعون، خلال العدوان الثلاثي على مصر(١٩٥٦)،بجنوح شمعون الى حلف بغداد، والتمادي في التفاعل مع مبدأ أيزنهاور(١٩٥٧)في اتجاهاته الاميركية المتشددة في الحرب الباردة ضدّ السوفيات، ففضل شمعون عدم قطع العلاقات اللبنانية الرسمية مع "دول العدوان" وهذا ما ترك "جرحا" في العلاقات الثنائية بين البلدين.

مصر عبدالناصر ردّت على الانحياز اللبناني بالمساهمة، من بُعد، في إسقاط الحكومة اللبنانية وتكوين ملف أزمة داخلية انفجر العام ١٩٥٨،داعمة قيادات سنية بارزة.  

ولم يستطع شمعون  تحمّل "الثقل المصري-الناصري" حتى "بتزوير الانتخابات وإسقاط عبدالله اليافي و صائب سلام في بيروت، وكمال جنبلاط في الشوف، وأحمد الأسعد في الجنوب، فاندفعت البلاد، بمؤازرة من المخابرات المصرية، في إشعال أول اهتزاز للسلم الأهلي، بعد الاستقلال، في ما يُعرف بثورة ال٥٨.

ولم تهدأ الأمور الا بتسوية مصرية- أميركية، صاغها الرئيس جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة(وحدة مصر وسوريا)والمبعوث الاميركي مورفي، فجاء الرئيس اللواء فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية، فبدأت معه المرحلة الأكثر إضاءة في تاريخ لبنان الحديث، حيث أرسى قاعدة التوازن بين المصلحة الوطنية الداخلية في تعميق الوحدة، وبين المصلحة اللبنانية الخارجية في التناغم مع التوجهات المصرية-الناصرية.

ويُسجل لعبدالناصر احترامه الخصوصيات اللبنانية في عزّ سطوته في الاقليم، وما يُعبّر عن هذا الاحترام اجتماع الخيمة (١٩٥٩) بين الرئيسين عبدالناصر وشهاب على الحدود اللبنانية السورية كتعبير مصري عن احترام السيادة اللبنانية.

واستقبل عبد الناصر  رئيس حزب الكتائب بيار الجميل دعما للتنوع اللبناني واستقراره.

وفي العهدين الشهابين، مع شهاب شخصيا امتدادا الى الرئيس شارل حلو، بقي الدور المصري حاضرا، حتى أنّ المعارضة المسيحية للناصرية أطلقت على السفير المصري في بيروت عبدالحميد غالب اسم "المندوب السامي الجديد".

انتجت المعادلة الشهابية- الناصرية استقرارا لبنانيا، لم يهتز الا مع زلزال النكسة(١٩٦٧) تشعبا الى أيلول الأسود في الأردن، وموت جمال عبدالناصر(١٩٧٠).

في هذه المرحلة، يصعبُ تحديد جدوى السياسة المصرية التي سحقتها هزيمة الستة أيام في مقابل صعود النجم العربي الجديد: ياسر عرفات، فلعبت مصر "دورا جامعا" في اتفاق القاهرة الذي نظم العلاقة بين السلطة اللبنانية والبندقية الفلسطينية، مع ما يحمل هذا الاتفاق ولايزال من علامات استفهام وتعجب، وتتقاطع التحاليل عند أنّه أبعد الحرب الأهلية في لبنان الى العام ١٩٧٥-١٩٩٠.

داخليا، خلطت هزيمة ال٦٧ الأوراق، فبرز الحلف الثلاثي بين كميل شمعون وبيار الجميل وريمون اده، فانحازت السياسة المصرية الى الجبهة المقابلة التي يتخندق فيها الشهابيون وكمال جنبلاط ورشيد كرامي وصبري حماده...

بعد رحيل عبد الناصر، تأثر لبنان سلبا ، بالصراع بين الرئيسين أنور السادات وحافظ الأسد بعد حرب أكتوبر(١٩٧٤).

لكنّ الدور المصري بقي فاعلا في القمم العربية المتتالية التي حاولت إخماد نار الحرب اللبنانية، وصولا الى دور مصري فاعل في اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب بتفاهم سوري سعودي أميركي.

وفي كل هذه المراحل، حافظ المصريون على علاقات عامة مع اللبنانيين، وفي هذا الاطار لا يُستخف بالاتصالات التي جرت بين الرئيس حسني مبارك والقوات اللبنانية بقيادة بشير الجميل.

لذلك استطاعت مصر في كل المراحل التاريخية في لبنان أن تلعب أدوارا في ضبط الاندفاعات اللبنانية، ولعل أبرز هذه الأدوار ما قامت به، بعد الطائف، من إعادة رسم السلطة اللبنانية،تزامنا مع اشتعال المحاور السعوديةالسورية-الايرانية، فتدخلت في مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي صاغ معها علاقات متقدمة، فعالجت تداعيات اغتياله، ملأت مع قوى أخرى، الفراغ في نهاية عهد الرئيس اميل لحود بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا وفق تسوية الدوحة، وعادت لتنشط ديبلوماسيا، لسد "ثغرة العامين" بانتخاب العماد ميشال عون.

وتفرّغ دورمصر أحيانا كثيرة الى تمتين هندسات توافقية في الشارع السني، كإيصال الشيخ عبد اللطيف دريان الى دار الفتوى.

وصحيح أنّ الديبلوماسية الفرنسية لعبت دورا مهما في "لفلفة" أزمة احتجاز الرئيس سعد الحريري في الرياض، الا أنّ مصر ساهمت في تطويق هذه الازمة أيضا.

وفي الخلاصة، يتميّز الموقع المصري حاليا، باعتدال ديبلوماسي واضح، يتمثّل بعدم قطع القنوات مع "سوريا الأسد" ومع الفلسطينيين، ومع قوى إقليمية كالسعودية، ودولية كالولايات المتحدة الاميركية، وهذا يعني أنّ مصر تحتاج الى الساحة اللبنانية لتستعيد دورها القومي المفقود، ويحتاج لبنان الى مصر، وهو المعزول في لعبة المحاور التي تفوق" بجحيمها " قدرته على التحمل؟

فهل يحمل رئيس وزراء مصر مبادرة لإنقاذ لبنان؟