دولة الملك نبيه بري

الثلاثاء 09 تموز 2019 أنطوان سلامه

دولة الملك نبيه بري

أنطوان سلامه-أعادت حادثة قبرشمون الى رئيس مجلس النواب نبيه بري صورة الزعيم الذي يمسك باللعبة السياسية الداخلية ويوجهها بحنكة من هو قادر على رسم خريطة التوازنات في تحديد أحجام اللاعبين السياسيين.

فبعدما سارت التوقعات بأنّ عهد الرئيس ميشال عون لن يكون "عهدا ذهبيا" للرئيس بري، ومن الضروري تحجيمه وتهميشه في إطار دوره في إدارة السلطة التشريعية، عاد الرئيس بري، في اللحظة المناسبة التي اقتنصها، ليلعب دورا يذكّر بدوره ذات الثقل في زمن الطائف.

فالرئيس بري نجح في وضع سقف لتداعيات حادثة قبرشمون وضبط ايقاعاتها المتفلتة، ساوى فيها السياسي بالأمني-القضائي، والأوليه فيها "للأمن السياسي".

فالرئيس بري يُمسك اليوم في مفاصل السلطة التنفيذية عبر دوره في ملفات عدة، أهمها ترسيم الحدود البرية والبحرية مع إسرائيل، فبدا أداؤه تقريريا أكثر من وزارة الخارجية، فالكلمة الفصل التي يسمعها الوسيط الاميركي ساترفيلد تصدر من عين التينة.

وفي رسم معالم الآتي في هندسة الخروج من "الأزمة المالية والنقدية والاقتصادية " التي يعاني منها لبنان، يبدو القرار في يده، لجهة تحديد "موازنة خفض العجز"، ويلعب الوزير علي حسن خليل دورا فاعلا، انطلاقا من اختصاصه الوزاري أولا، واستنادا الى رؤية الرئيس بري في نسج المخرج الذي يرضي الداخل والخارج في هذا الملف الخطير.

وفي التعيينات الإدارية، يلعب الرئيس بري، بكل خبرته السياسية، في الساحة، فيوازن بين القوى إذا أراد، ويترك للأطماع أن تتحرك إذا قرر.

فالرئيس بري، الذي يتحمّل بالتأكيد جانبا من الانهيارات المتراكمة منذ انطلاق زمن الطائف، لا يزال على قوته التي استجمع مفاتيحها، بعدما تعرض في بداية العهد، لضغوط أبرزها من زعيم التيار الوطني الحر جبران باسيل، الذي عاد الى عين التينة زائرا، بعدما قال في خصمه الرئيس بري ما لم يقله أحد فيه منذ مدة.

الرئيس بري يمدّ خطوطه مع الجميع، في جبهات قوى الرابع عشر والثامن من آذار، لا يقف طرفا ضدّ طرف، بل بات يشكل، "الغربال" الذي يفصل.

علاقته متينة مع حزب الله.

علاقته "أبوية" مع الرئيس سعد الحريري ووليد جنبلاط، ويقف دوما في وسط الطريق مع سمير جعجع.

أما علاقته بسليمان فرنجية فدافئة.

هذا لا يعني أنّ علاقاته مع طلال ارسلان والشخصيات المستقلة، من نجيب ميقاتي وجان عبيد وأسامة سعد...ليست في أفضل حال.

خارجيا، يقتحم الرئيس بري المعاقل الديبلوماسية بجرأة وتحرر، يحكي مع الجميع، من الاميركي الى السعودي وما بينهما، فهو الضرورة التي تبقي شعرة معاوية موصولة بطرف أساسي في المعادلة اللبنانية: الشيعة.

وفي الساحة الشيعية، يزور العراق "وسيطا" فتغمره عباءة المرجع الشيعي الأهم السيستاني.

يكفي أنّه قادر على أن "يتكتك" في الاتصالات اللبنانية غير المباشرة مع العدو الإسرائيلي، ولا من ينتقد "ويشيطن ويخوّن"...

الرئيس بري عاد قويا ومقررا "في ترويكا الحكم" متخطيا محاولات تحجيمه.

هو حارس "تقاسم الجبنة"، فما له له، وما لغيره "لهم" وله، وإلا لا يكتمل تلزيم.

عاد أقوى، ملكا في إدارة "الدولة المنهارة".

استعاد دوره الكبير في وقت يفقد الآخرون أدوارهم بعدما حشروا أنفسهم في الزوايا السياسية الضيقة، والضيقة جدا.

صحّ سابقا تسمية كميل شمعون ب "فخامة الملك"...زمنه ولّى، نحن اليوم في زمن "دولة الملك".