عادت ؛الإجر" الى أدراج بكركي بعد انكفاء بطريركي حتمته ظروف متعددة منها ما كان الساخرون الكسروانيون يرددونه:" البطريرك الراعي مريّح همّو ومتعّب إجريه".
الثلاثاء ٠٨ يناير ٢٠١٩
عادت ؛الإجر" الى أدراج بكركي بعد انكفاء بطريركي حتمته ظروف متعددة منها ما كان الساخرون الكسروانيون يرددونه:" البطريرك الراعي مريّح همّو ومتعّب إجريه".
انكفأ البطريرك الراعي وبدت حركته لا تنفصل عن خطواته السابقة كمطران في أبرشية.
لم يثبت على قرار، فظهرت صورته كأنّه "بطريرك زئبقي" لا يعرف أحدٌ مكانه.
في المرحلة الرمادية من عهده البطريركي، أقدم الراعي على خطوتين جريئتين في العامين ٢٠١٣و٢٠١٤:
زيارته الى سوريا.
وزيارته الى" إسرائيل".
وفي الزيارتين الجريئتين لم يجرؤ أحدٌ على مهاجمته بعنف كما كان يحصل في الخطوات الاستثنائية التي أخذها سلفه البطريرك صفير.
تسلّح البطريرك الراعي بمظلة دينية لا تُخرق، فحين هاجمه البعض على زيارته غير المسبوقة الى الأراضي التي تحتلها إسرائيل قال:" فليقولوا ما يقولون، زيارتي رعوية دينية، والقدس لنا جميعا".
مرّت زيارة دمشق والصلاة فيها بحضور ممثل للرئيس السوري بشار الأسد من دون ضجة في دوائر ١٤آذار.
واكتفى معارضو زيارته لإسرائيل خصوصا حزب الله بالتجاهل والاكتفاء باعتراضات متفرقة وخجولة.
أكثر من ذلك، يدعو البطريرك علنا الى ضرورة إعادة فتح دروب الحج الى الأماكن المسيحية المقدسة في القدس بشقيها، في ما يشبه" التطبيع" المغلّف بحق المسيحي المتديّن في الحج.
حتى من يُغالي في رفض التطبيع يصمت.
وفي عزّ الهجوم الذي شنته قيادة حزب الله ضدّ القيادة السعودية،عبَرَ البطريرك طريقه بهدوء الى قلب الخليج العربي ، وفتح صفحة جديدة في الحوار الإسلامي-السني والمسيحي- الكاثوليكي.
هذه الجرأة في اتخاذ الخطوات السبّاقة، واكبها البطريرك الراعي بمواقف سياسية هادئة، وحيادية، تصل أحيانا الى حدّ اللامبالاة.
وقيل يوم وصول العماد ميشال عون الى سدة الرئاسة أنّ بعبدا ستلغي دور بكركي، وهذا ما حصل بدءا، الى أن أصبحت زيارة البطريرك الراعي الى القصر الجمهوري حاجة للرئيس عون.
من القصر الجمهوري أعلن البطريرك الراعي مواقف متقدمة جدا، فأشار الى افلاس الدولة، وعاد من بكركي ليتحدّث عن تزعزع الجمهورية.
في هذه اللحظة، قرأ البطريرك الراعي، أنّ بعبدا تتراجع، فلا بدّ إذا من أن تتقدّم بكركي.
فجأة، عادت الوفود لتنزع العشب عن أدراج بكركي، وأول نازعيه وفد رفيع من حزب الله، وكرّت السبحة.
عودة بكركي الى الواجهة بعد انكفاء، أسّس لها البطريرك بخطوات في ترتيب البيت الماروني الداخلي، فشكل في أزمة الانتخاب الرئاسي محورا تمثّل في جمع ما لم يجمعه أحدٌ قبله، استظل سقف بكركي زعماء النزاعات المارونية من الرئيسين ميشال عون وأمين الجميل، الى سمير جعجع وسليمان فرنجيه.
صحيح أنّ هذه القمة المارونية فرضت معادلة جديدة، هي انتخاب الأقوى في طائفته على مثال الطوائف الأخرى، فبدت إلغائية، الا أنّ البطريرك بقي في الغرفة الخلفية من المذبح، يراقب بدهاء سياسي مسار الأمور.
حتى لقاء المصالحة بين قطبي الشمال جعجع وفرنجيه مرّره البطريرك بأقل ضجة ممكنة، من دون إثارة مع أنّه يهوى الاستعراض الاعلاميّ.
حتى هذه الساعة، ينقسم الشارع الماروني في النظرة الى البطريرك الراعي.
يرى البعض أنّه بطريرك عاديّ تقليدي يدور في الفلك الأسقفي الذي صح فيه القول:" اسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم".
ويرى البعض الآخر، أنّ البطريرك الراعي محنّك سياسيا، يفاجئ.
وفي الحالتين، لا يقف أيّ طرف من الطرفين المتقابلين، في متراس عدائي لهذا البطريرك الذي لا يمكن تحديده بعد، هل يصحّ وضعه في خانة النجاح والتحديث، أم في خانة ما سماه يوما طلال سلمان "خريف البطريرك".
انّه البطريرك الذي يذكّر بنهج "الجيزويت" وهو من درس اللاهوت والفلسفة في كلية دير سيدة الجمهور التابعة للأباء اليسوعيين.
من القرار 1701 إلى تعثّر الوساطات، يتكرّس موقع لبنان كورقة تفاوض إقليمية في صراع تتجاوز حدوده الجغرافيا.
تُمسك ايران بالملف اللبناني حربا وسلما مع اتجاهها الى ضمه الى ملف المفاوضات مع الولايات المتحدة الاميركية.
تتكاثر الأسئلة حول الصاروخ الذي اخترق الأجواء فوق كسروان: هل كان استهدافًا عشوائيًا أم رسالة استراتيجية مرتبطة بتوازنات الحرب الإقليمية؟
فتح اعلان الرئيس دونالد ترامب التوصل الى تسوية مع ايران باب الاجتهادات والتوقعات.
بين قرار الحرب وغياب الرؤية، ينزلق لبنان إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حدوده، فيما الدولة تكتفي بإدارة التداعيات بدل صناعة المخارج.
قليلٌ يعرف أنّ الشاعر الفنزويلّي الكبير لويس غارسيا مورالس من لبنان.
مع تصاعد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، يعود لبنان إلى قلب الصراعات الإقليمية، في مشهد يعيد إنتاج تاريخه كجبهة مفتوحة لحروب الآخرين، لكن بكلفة إنسانية كبيرة.
يجد لبنان نفسه تحت سقف استراتيجية "التدمير المرحلي" مع تقليص المناطق الآمنة إلى فرض الشروط بالنار.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.