تعيش القضية الفلسطينية منذ السبعينات تحولات جذرية وتقلبات تفرض مقاربة جديدة للصراع مع اسرائيل.
الخميس ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٣
أنطوان سلامه- قد تفرض الوقائع الميدانية تغييرا في الخريطة السياسية في الإقليم وتفرض بالضرورة تبديلا في المصطلحات التاريخية التي تواكب قيام إسرائيل منذ قرار التقسيم الأممي لأرض فلسطين . ساد مصطلح الصراع العربي الإسرائيلي طويلا في التاريخ الحديث وأخذ زخمه في المدّ الناصري في فترة الستينات، وفي محطتي النكبة والنكسة، كانت المشاركة العربية فاعلة وميدانية، الى أن زار الرئيس المصري أنور السادات القدس، فتبدلت الصياغات ليبرز مصطلح اتفاقية كمب ديفيد التي أخرجت مصر من مصطلح الصراع العربي الإسرائيلي الى مصطلح "محور السلام" الذي اتسع للأردن ثم لجزء من الفلسطينيين بقيادة ياسر عرفات ولتيار إسرائيلي بقيادة اسحق رابين. هذا التحوّل الفلسطيني الى محور السلام أو معسكر السلام شكل محطة مهمة في الصراع التاريخي باعتبار أنّ قاطرته الفلسطينية هي " فتح" التي تشكّلت في غزة، كنواة، العام ١٩٥٠، وأسّسها فعليا، ياسر عرفات في الكويت، العام ١٩٥٩، ومن أهدافها العمل الفدائي المستقل من أجل " العودة"، لكنّ الأداء العرفاتي، انتقل من البندقية الى التفاوض ،بعدما تبنت منظمة التحرير الفلسطينية العام ١٩٧٤ فكرة إنشاء دولة ديمقراطية مؤقتا في جزء من أرض فلسطين في البرنامج المرحلي للمجلس الوطني الفلسطيني الذي أنتج جبهة الرفض الفلسطينية. في العام ١٩٨٨ تبنت منظمة التحرير رسميا خيار الدولتين في فلسطين التاريخية، ليأخذ مصطلح الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أبعادا جديدة في اتفاق أوسلو تأسيسا لحل الدولتين الذي تبنته السعودية في قمة بيروت العربية العام ٢٠٠٢. بعد هذا التاريخ، وقبله أيضا، سقط مصطلح الصراع العربي الإسرائيلي بعد سلام مصر والأردن وبدايات التطبيع في الخليج. لم يعد ممكنا استعمال مصطلح الصراع العربي الإسرائيلي، فلبنان هو من بين الدول القليلة في الجامعة العربية الذي يستعمل في خطابه الرسمي كلمة " عدو" قبل تسمية إسرائيل. فهل لا يزال لبنان في قلب الصراع العربي الإسرائيلي؟ بالتأكيد لا، لأنّ هذا الصراع سقط ليبرز على هامشه صراع إسرائيلي فلسطيني يرتبط إقليميا بالصراع الإسرائيلي الإيراني الذي ارتفعت وتيرته مع الامام الخميني(١٩٧٩). لا يمكن إدراج الفصائل الفلسطينية كلّها في محور الممانعة التي تقوده ايران، حتى حماس لها علاقاتها القوية مع طهران كما مع القاهرة والدوحة وأنقرة، وتبدو حركة الجهاد الإسلامي أقرب منها الى الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحزب الله. تأسس الجهاد الاسلامي العام ١٩٨٢ فاستوحى فتحي الشقاقي، الأخواني، من الثورة الإيرانية مبادئ تنظيمه خصوصا بعد تمركزه في لبنان العام ١٩٨٨ فتقرّب من حزب الله، وبرغم حوارات فتح وحماس العام ٢٠١٧ حافظ الجهاد على استقلاليته. في الصراع الإسرائيلي الإيراني يندرج موقع لبنان حاليا باعتبار أنّ الصراع العربي الإسرائيلي أصبح من الماضي، والصراع العربي الفلسطيني تجزأ الى محاور بعد أوسلو. من هنا يبرز الضياع في الشارع السني اللبناني الذي نشأ في ظل الصراع العربي الاسرائيلي بقيادة جمال عبد الناصر، وأمل بنصر البندقية الفدائية بقيادة ياسر عرفات، فوجد نفسه الآن، في خضم الصراع الإسرائيلي الإيراني في جبهة الجنوب. صحيح أنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية تبنّت بنجاح القضية الفلسطينية التاريخية ، ومسألة القدس الجوهرية في الصراع، الا أنّ خطابها المذهبي الذي يُلقي بظلاله على حزب الله يجعل من مقاربته سنيا موضع شك دائم. ومهما برزت صورة أبو عبيدة في الشارع السني، كتعويض عن الصور السابقة لعبدالناصر وعرفات وحتى رفيق الحريري العروبي، فإنّ صورة حزب الله ستبقى الأفعل في صياغة دور لبنان في المواجهة بإمضاء إيراني وحيد.
قليلٌ يعرف أنّ الشاعر الفنزويلّي الكبير لويس غارسيا مورالس من لبنان.
مع تصاعد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، يعود لبنان إلى قلب الصراعات الإقليمية، في مشهد يعيد إنتاج تاريخه كجبهة مفتوحة لحروب الآخرين، لكن بكلفة إنسانية كبيرة.
يجد لبنان نفسه تحت سقف استراتيجية "التدمير المرحلي" مع تقليص المناطق الآمنة إلى فرض الشروط بالنار.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.