من لبنان الى العراق:كلن يعني كلن أو شلع قلع

الجمعة 06 كانون أول 2019 ليا ساسين

من لبنان الى العراق:كلن يعني كلن أو شلع قلع

ليا ساسين - تستمر الاحتجاجات اللبنانية والعراقية في مختلف أنحاء البلاد بعد أكثر من شهر على انطلاقها، مع إغلاق عدد من الطرقات، والتظاهر أمام المؤسسات والإدارات العامة. فهل من أوجه شبه بين احتجاجات العراق ولبنان؟ وهل يمكن مقارنة الأحداث في هذين البلدين؟

تعددت أوجه التشابه بين الأحداث التي يشهدها العراق ولبنان، لكن لكل منها منحى خاص. ما يشهده العراق ولبنان، في آن واحد، لا ينفي مطلقًا أحقية المطالب الإجتماعية والإقتصادية والمعيشية، ولا سيما النفور من الفساد المستشري في مؤسسات الدولة.

تظهر القواسم المشتركة بين لبنان والعراق، من خلال المطالب التي حملها المتظاهرون خلال الاحتجاجات في الشارعين اللبناني والعراقي. إلى جانب الاستياء العميق تجاه الطبقة الحاكمة، والظروف الاقتصادية الصعبة والفساد، تقف الطائفية على قمة أولوليات ما يجب إزاحته من المشهد في كلا البلدين، بحسب المتظاهرين.

يرفع المتظاهرون مطالبهم بسبب تدهور المستوى المعيشي، وزيادة نسبة البطالة، ونقص الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه.

ثورة الاتصالات وتطور وسائل الإعلام الجديد، دعمتا أواصر التواصل بشكل كبير حتى أصبحت أشبه بالجسور التي تعبر عليها شعارات ومطالب وأهداف الشعوب حدود الجغرافيا.

استخدام القوة المفرطة

اتسمت الاحتجاجات في العراق بالعنف والصدامات بين المتظاهرين والقوات الأمنية، ونتج عنها مئات القتلى والمصابين، بينما طغى على الأجواء في لبنان التعبير السلمي والهادئ.

أخذت الاحتجاجات في العراق منحى أكثر عنفاً مقارنة بمثيلتها في لبنان، حيث ظلت الاحتجاجات سلمية إلى حد كبير. وحرص المتظاهرون على رفع أعلام الدولة اللبنانية والابتعاد عن الشعارات الحزبية والطائفية للتغلب على الحدود الطائفية التي مزقت البلد، على حد تعبير المتظاهرين.

شهدت احتجاجات العراق، المعروفة بـ "ثورة 25 أوكتوبر"، صدامات بين المحتجين والقوات الأمنية، لمحاولة تفريق المتظاهرين وفتح الطرقات بالقوة.

سجلت حصيلة احتجاجات العراق أكثر من 400 قتيل و19 ألف جريح، طالهم الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع، بحسب إحصاءات الأمم المتحدة في العراق.

اتهمت رئيسة بعثة الأمم المتحدة في العراق جينين هينيس بلاسخارت، السلطات العراقية باستخدام القوة المفرطة ضد متظاهرين سلميين، خرجوا للمطالبة بحياة أفضل لبلدهم، خلال جلسة لمجلس الأمن حول "الوضع في العراق".

دان ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي للشرق الأوسط، القوة المفرطة ضد المتظاهرين في الناصرية، جنوب العراق. وصف الهجمات بأنها كانت "عملا مروعا وشنيعا". ودعا الحكومة العراقية إلى التحقيق ومحاسبة الذين يحاولون "إسكات أصوات المتظاهرين السلميين بشكل وحشي".

كان المشهد في لبنان مختلفا تماما عما هو عليه في العراق. سقط 3 قتلى في "ثورة الشعب" في لبنان، رغم أكثر من 40 يوما من التواجد في الشارع. "شهداء الثورة" كما أطلق عليهم المتظاهرون، لم يكونوا ضحية اشتباكات بين المحتجين وعناصر قوى الأمن. نذكر عمر زكريا، الذي سقط أثناء محاولته تسلق مبنى مهجور في ساحة الشهداء، لتثبيت العلم اللبناني عليه. قتل حسين العطار على طريق المطار عندما حاول منع أحد سائقي الدراجات النارية من فرض خوة على حقائب المسافرين، فأطلق هذا الأخير  النار عليه وأرداه. علاء أبو فخر قتل بدم بارد على مثلث خلدة أمام أعين زوجته وأولاده، على يد أحد العسكريين.

استخدمت قوات الأمن اللبنانية الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين في بيروت، بعد إغلاق عشرات المحتجين جسرا رئيسيا في العاصمة، وبعد اشتباكات حصلت بين المتظاهرين وعناصر من حزب الله وحركة أمل، الذين يرفضون "الثورة" والتواجد في الشارع. ولم ينتج عن ذلك أي إصابات بالغة.

مجلس الأمن الدولي، دعا في بيان إلى الحفاظ على "الطابع السلمي للاحتجاجات" في لبنان. وطلب من جميع الأطراف الفاعلة إجراء حوار وطني مكثف، واحترام الحق في الاحتجاج من خلال التجمع بشكل سلمي.

النظام السياسي لم يعد صالحاً

يظهر الوعي الكامل بين معظم المواطنين في كلا البلدين، لقيام دولة عصرية بعيدا عن المحاصصة السياسية.

نلاحظ ارتباطاً بين الحراك في لبنان والعراق، سواء على مستوى الشعارات والهتافات أو المطالبة بإنهاء الفساد ورفض نظام الحكم.

الازمة التي يمر بها لبنان والعراق ليست وليدة اليوم، بل لها جذور قديمة. لكن الجديد فيها هو أن الشعوب بدأت ترفع صوتها رفضاً للنظام الذي يحكم ويدير البلاد، ويرفض أي محاولة للتغيير أو أي خطط إصلاحية.

بلغ حجم الفساد في هاتين الدولتين مستوىً قياسيًا، إستنادا إلى المؤشرات العالمية، بالتوازي مع فقدان البنية التحتية أو الخدمات الأساسية التي تبرر ولو جزءًا من الفساد والهدر المالي.

يسهل إختراق المجتمعين اللبناني والعراقي، طالما أن الأمن الاقتصادي ـ الإجتماعي في كلا البلدين شديد الهشاشة.

حققت حركة الاحتجاج في لبنان انتصاراً كبيراً باستقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، الذي قال خلال خطابٍ متلفز إنه يعتزم إحداث "صدمة إيجابية" بالتنحي، معتبراً أن القيام بذلك يخدم "كرامة البلد وسلامته."

استجابت الحكومة اللبنانية لمرةٍ واحدة، لمطالب المحتجين بتقديم حزمة إصلاحات طارئة، التي فشلت في نزع فتيل الغضب، في بداية الاحتجاجات. قدم الحريري، الإصلاحات التي وصفها بـ"الإنقلاب المالي،" قائلاً إن رواتب كبار المسؤولين، بمن فيهم الوزراء وأعضاء البرلمان، سيتم خفضها إلى النصف.

كذلك خرجت حكومة عادل عبد المهدي بحزمة قرارات إصلاحية استجابة لمطالب المتظاهرين، ولتفادي اشعال فتيل الازمة. لكنها لم ترضي المتظاهرين ولم تخرجهم من الشارع. واستمرت الاحتجاجات مع تصاعد في الأحداث وسقوط قتلى وجرحى، إلى أن استقال عبد المهدي من منصبه، تلبية لمطالب الشارع.

وطالب المحتجون الذين أبدوا غضبهم من النخبة الحاكمة في كلا البلدين، باستقالة الحكومة وانتخاب أخرى جديدة من أصحاب الاختصاصات لإخراج البلاد من هذا المأزق. كما طالب المتظاهرون بإعادة الأموال التي يقولون إنها نُهبت من الدولة.

وقال المحتجون إنهم غير راضين عن إجراءات إصلاحية عاجلة، كانت أُعلنتها الحكومتين اللبنانية والعراقية، تشمل خفض رواتب الوزراء إلى النصف وفرض ضرائب على المصارف.

شباب الانتفاضة واندفاعهم

يسيطر العنصر الشاب على هذه الاحتجاجات في كلا البلدين. وتبدو الأجيال الصاعدة مصممة على إنشاء دولة عصرية تلبي طموحاتها. يتمسك الشباب بمطالبهم المشتركة الهادفة الى تحقيق العدالة الاجتماعية وصون الحريات وتأمين أبسط الحقوق والواجبات.

أغلقت الجامعات والمدارس في لبنان والعراق أبوابها، تضامنا مع الاحتجاجات. وانضم الطلاب الى صفوف المتظاهرين، ورفعوا صرخاتهم مطالبين بأبسط حقوقهم التعليمية المجانية، مصرين على توفير فرص عمل للشباب.

ثمة اصرار واضح بين المحتجين في لبنان والعراق للتخلص من الطبقة السياسية الحاكمة و"الفاسدة"، كما وصفوها.

انعدام الكفاءة في وزارات الدولة، والفساد المستشري في الادارات والمؤسسات العامة، دفعا الشباب من مختلف الأعمار للنزول الى الشارع والمطالبة بـ "دولة" حقيقية.

الثورة أنثى...

خرجت النساء من مختلف الاعمار يطالبن بالحرية والعدل والمساواة، متحررات من ثقل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية.

وتصدرت المرأة المشهد في كل من لبنان والعراق. "ملك علوية"، انتشرت صورتها تركل أحد أفراد الأمن، في خضم الثورة اللبنانية. وأطلق عليها رواد مواقع التواصل الاجتماعي لقب "أيقونة الثورة اللبنانية".

بعد سنوات من التغييب والتهميش المتعمد للمرأة العراقية، وارتباط صورتها بجرائم الشرف والتحرش والطلاق، تصدرت المشهد بقوة في ثورة العراق، واستشهدت عدد من النساء يدافعنّ عن الحرية والعدل.

المواطنة العراقية "بائعة المناديل"، التي أطلقت مبادرة شخصية لتوزيع المناديل مجانا على جموع المتظاهرين الذين تعرضوا للغاز المسيل للدموع، وأصبحت واحدة من أيقونات المظاهرات الأخيرة.

برزت المرأة بشكل ملفت في تظاهرات العراق ولبنان. عززت موقعها في العراق من خلال تقديم الإسعافات الأولية وتحضير الطعام، وبرهنت أنها لم تعد "مكبلة" وبإمكانها إحداث التغيير. أما في لبنان، فلعبت دورا توعويا في تحضير النقاشات والندوات، إلى جانب تحضير الطعام.

شعارات موحدة

تتعدد الساحات والأشخاص والأسباب وراء الاحتجاجات التي تحدث في الدول العربية، لكن الشعارات واحدة أو مماثلة.

يتمسك المتظاهرون في لبنان والعراق بمطلب واحد، وهو إنجاز تغيير حقيقي، حتى لو اختلفت لهجات المطالبين به.

تتعالى الأصوات في ساحتي رياض الصلح والشهداء في بيروت تحت شعار موحد "كلن يعني كلن". ويردد العراقيون "شلع قلع "، ويعني اقتلاع الشيء من جذوره،  في ساحة التحرير في العراق. ورفع المتظاهرون العراقيون لافتات كتب عليها "نازل آخذ حقي". كما حمل اللبنانيون لافتات عليها شعار "ردولنا حقوقنا".

يرفض البعض استعمال هذه الشعارات، باعتبارها سياسية أكثر من دلالتها على المطالب. تتجنب بعض التيارات والأحزاب السياسية العراقية واللبنانية، استخدام هذه الشعارات، رغم الاتفاق على معانيها وأهدافها، وضرورة تطهير البلاد بالكامل من الفساد، فضلا عن محاسبة كل المتورطين فيه.

الخيم في التحرير وساحة الشهداء

نصب المتظاهرون في كلا البلدين خيماً في الساحات لأغراض مختلفة. ففي العراق، حول المتظاهرون الشوارع الى بيوتهم، فعمدت النساء بشكل عام والأمهات خصوصا الى تحويل الخيم الى أماكن لغسل ملابسهم. كما حضروا بداخلها الأطعمة اللذيذة لتوزيعها على المتظاهرين والفقراء الذين لا يملكون طعاما. وأبرز المأكولات التي حضرها العراقيون في الشارع كانت "الباجة" العراقية، التي تعتبر من ألذ وأشهر المأكولات في المطبخ العراقي.

حوّل المتظاهرون اللبنانيون الخيم في الساحات الى حلقات للحوار وتبادل الأفكار والآراء، ورفعوا عليها شعار "خلينا نتحاور سوا". كما حضروا ندوات وحلقات نقاش لنشر التوعية والحديث عن مواضيع ثقافية وسياسية من وحي الأحداث. نصبت خيم في وسط بيروت أيضا، لإعداد الطعام للمتظاهرين وتوزيع المأكولات على العائلات الفقيرة.