Lebanon News I ليبانون تابلويد : أخبار الساعة من لبنان والعالم!


أجملُ نصيّن: يوميات أُمّ في زمن الكورونا

أجرت جمعية "أَيادينا"، في فترة الأعياد، مسابقة خاصة بالأمهات يكتبن نصًّا في موضوع "يوميات أُمّ في زمن مورونا".

السبت ٠٢ يناير ٢٠٢١

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة
اضغط هنا

 

أجرت جمعية "أَيادينا"، في فترة الأعياد، مسابقة خاصة بالأمهات يكتبن نصًّا في موضوع "يوميات أُمّ في زمن مورونا".

 ولدى إعلان النتائج (النبعة - سن الفيل)، انقسمت الجائزة بين نصَّين للسيدتين ميرنا حسن وجمانة خوري.

"ليبانون تابلويد" تهنئ جمعية "أيادينا" على نشاطها المتواصل منذ 2004، وتنشر النصين الفائزين:

ميرنا حسن: يوم لن أنساه

"صحونا فجأةً على وصول الوباء المشؤوم إلى بلدِنا: الكورونا الّذي سمعنا عنه في الصّين لكنه أحبّ أن يزور بلاد الشّرق ومن ضمنها لبنان.

وصل إلينا بكلّ ما فيه من ويلات. في البدايةِ كنتُ أشعرُ بالخَوفِ مما في هذا الوباء الفتّاك، لا نعلم مؤشّراته وتأثيراته علينا، ثم رحنا نسمع عن مخاطره وضحاياه، وزادتني رعبًا الأوضاعِ الإقتصادية السّيئة عندنا، وكيف تنعكس على أسرتي وأولادي وكيف أحميهم.

الجمعة 28 شباط 2020: يومٌ لن أنساه. قرّرتِ الدّولة الإقفال لأيّام معدودة، لكنها استطالت أيامًا صعبة.

منذ اليوم الأول قرّرتُ أن أستغلّ كل لحظة تمرّ، فرغم الصّعابِ وتدهور الأحوال، على أن تستمر بصعوبتها وعواصفِها. كان أولادي يدرسون الموسيقى في المعهد، لكنه أقفل فتابعتُ تعليمهم عبر قناة يوتيوب، وحضّرتُ الكثير من أقلام التّلوين  والقصص، وكنت أهتم بهم يوميًّا كما أهتم بتلامذتي أعطيهم دروس اللغة العربية.

بدايةً كان التّعليم عن بُعُد يشبه القصاص بسبب بطء الإنترنت وانقطاع التّيّار الكهربائيّ باستمرار. وفي البيت عدتُ إلى ممارسة الرّياضة وأني يوميًّا نحو عشرين دقيقة.

يبدأ نهاري مع فنجان القهوة السّادة على سطيحة بيتي مع نباتاتي وعصافيري. ثمّ أوقظ أولادي  فيغتسلون ويُصلّون ثمَ نبدأ بالدّروسِ اليوميّة حتى الظهر ثم نقوم صلاة الظّهر، ويجلسون أمام شاشةِ التّلفازِ فيما أقومُ أنا بتحضيرِ وجبةِ الغداءِ.وعدتُ بدوري إلى المطالعةِ فأعدت قراءة "النبي" الذي يسافر بي إلى أورفليس، مدينة جبران الخياليّة. واشتريت مجموعة كُتُب وقرأتها: "المُقامرالمزدوِج (دوستويفسكي)، بنت مولانا (جلال الدين لرومي)، رسائل كافكا إلى ميلينا (فرانز كافكا)، أبعد من موسكو ومن واشنطن (ميخائيل نعَيمة)، البؤساء (فيكتور هوغو)...واللائحة تطول مع كُتُبِ تُسافرُ بي إلى أقاصي الأرض و نحن في بيوتنا، فالمطالعة تنمّي خيالنا وتثقّفنا وتشعرُنا بثقتنا بأنفسنا. هكذا جعلت من الحجْرِ ساعات مفيدة لا يجد معها اليأس طريقًا إلي، فكنتُ أعيشُ لحظات ممتعة وجميلة مع كُتُبي. نشعر أحيانًا بحاجتنا إلى الجلوسِ مع أنفسِنا لوقتٍ كي نعود إلى أعماقنا ونغورُ في خفاياها. كنت أقرأ يوميًّا، فيما يمارس ابني ركوب الدّراجة الهوائيّة في الشّارِعِ لوقتٍ محدّد مع التّعقيم باستمرار، وفيما شقيقه يحب أن يكتب باستمرارٍ على الّلوحِ و يرسمُ على الأوراقِ ويقوم بتلوين كل ما يراه!

أحيانًا كنت أشعر بالتعبِ فآخذ الأولاد في نزهةٍ صغيرةٍ إلى الكورنيش، يقودون الدّراجة الهوائيّة، وأشرب قهوتي المفضّلة السّادة المرّة السّوداء التي تحلو معها الحياة وتكون بيضاء. ويشعر أولادي في الكثير من الأوقات بالضّجرِ والملل، وهذا حقهم، فهم لا يعيشون طفولتهم كما يجب بسبب الكورونا والجلوس في المنزل. قرّرت ان أكسر هذا الرّوتين أيضاً فوضعتُ برنامجاً  كما في المدرسةِ وأشركْتُهم به: ساعة درس وساعة أخرى موسيقى ورياضة وقصّة أرويها لهم فيفرحون بجلوسنا في المنزلِ لأنّهم يلهون ويقومون بما يحبون. أعجبتهم فكرة الدّرس عن بُعد يدرسون لعدّة ساعات ولكن بارتياحٍ ...وفي ظلّ جائحة كورونا قرّرتُ أن آخذ شهادة الماستر في تعليم اللّغةِ العربيّة، فالوقت لا يصلح إلا بالعملِ، وتنظيم الوقت سبيلٌ إلى النّجاح، فمن ينظّم وقتَه يتقدم واثق الخُطى". 

جمانة خوري:يوميات مُصابة

"عائلتي مجتمعة مساءً أمام شاشة التلفاز تتابع النشرة الإخبارية وإذا بخبر مفاجئ عن ظهور فيروس خطير “COVID 19” وانتشاره سريعاً في الصين ليمتد إلى الدول الأوروبية ويودي بحياة الكثيرين. تلقيت الخبر بانزعاج كبير شخصياً وراودتني تساؤلات كثيرة: ما هو هذا الفيروس؟ هل هو خطير لهذه الدرجة؟ وهل يمكن أن يصل إلى بلدنا؟

خلدت إلى النوم يومها غير مدركة لخطورة الوضع. صباح اليوم الثاني، وأنا أرتشف قهوتي على صوت السيدة فيروز الرائع، يرن جرس الباب: "أهلاً وسهلاً بالجارة"، أسكب لها فنجان قهوة لتخبرني بأن الحكومة اللبنانية بدأت باتخاذ التدابير الوقائية خوفاً من انتشار الفيروس في البلد. شعرت بهول المسألة. ماذا عليّ أن أفعل كأم وكزوجة لأحمي عائلتي من هذا المرض؟

استيقظت في اليوم التالي وأنا أشعر بالانزعاج. فلم أنم جيداً طوال الليل وبدل أن أستمع كالعادة إلى أغنية صباحية للسيدة فيروز أدرت جهاز الراديو لسماع المستجدات. وها هي السلطات تفرض الحجر المنزلي والتعبئة العامة لتوقف حركة الطيران وتمنع السفر وتحظر التجول ليلاً حتى الفجر. يا إلهي ساعدنا ما هذا الغضب؟ هل ستهلك البشرية؟ أما من دواء لهذا الفيروس الخطير؟

فجر يوم جديد وقد عزمت على تحدي الفيروس. بدأت اولاً بالبحث عبر الانترنت لأتعرف أكثر على هذا الوباء "كما أقرته منظمة الصحة العالمية"، وأعرف أعراضه وكيفية العدوى والوقاية منه، لأجد أن أعراض COVID 19 تشبه إلى حد كبير أعراض الإنفلونزا مع ضيف في التنفس، حرارة مرتفعة، ألم في الحلق وآلام في مختلف أعضاء الجسم. اكتشفت أيضاً أنه يشكل خطراً على حياة الأشخاص الذين يعانون من امراض مزمنة.

بت أعرف عدويّ الآن فمسؤوليتي كأم تفرض عليّ أن أكون مطلعة على كل هذا لأستطيع حماية أسرتي الحبيبة منه.

يوم آخر بدأت فيه باتخاذ التدابير لمنع الفيروس من الدخول إلى منزلي. نزلت باكراً إلى السوق واشتريت المعقمات والمنظفات والصابون والكمامات الطبية اللازمة. عدت إلى المنزل وخلعت حذائي خارجاً ثم بدلت ملابسي بأخرى نظيفة وقمت بتعقيم كل المشتريات. أولادي باتوا يعرفون الآن سبل الوقاية والتعقيم وضرورة غسل بالصابون باستمرار بالإضافة إلى ارتداء الكمامة والحفاظ على المسافة الآمنة بين الأشخاص حتى صار هذا روتينهم اليومي.

بت أشعر الآن ببعض الأمان فقد حضنت أولادي جيداً. لقد كان هذا كل همي.

نهار جديد والمنزل صار عالمي الوحيد وصرت أتجنب الخروج منه إلاّ للضرورة. فإجراءات الوقاية متعبة جداً

أووووف، لا مجال للزيارات ولا للتنزه أو التسوق، شاشة التلفاز صارت نافذتي الوحيدة إلى هذا العالم أجول بواسطته حيثما أريد.

وفي نفس الوقت، نظرت إلى الجانب المضيء في الأمر: فأنا اقتربت أكثر من أولادي وصرنا نتحدث عن تجاربنا ومشاكلنا ونفصح عما في داخلنا من مشاعر وأفكار. زادت اللحمة وزاد التقارب بين أفراد عائلتي حمداً لله. والوقت يقطع بسلاسة وهدوء.

يومي التالي مشمس وجميل ولكني ضجرة. ماذا أفعل؟ التباعد الاجتماعي ومفروض حتى مع الأهل، فالعناق والقبل والسلام كل هذا ممنوع لأنه ممكن أن ينقل العدوى لأن حامل الفيروس يمكن ألا تظهر عليه الأعراض.

يا ربي هل هو عزل أم سجن؟ حتى الشوارع خالية من الناس والطرقات مقفرة. المحلات التجارية مقفلة وأماكن التجول والتسوق مغلقة. بات الناس يلزمون منازلهم. صارت بيروت مدينة أشباح، فإذا اضطرت للخروج ليلاً سيقتلك سواد ليلها ويخيفك هدوؤُها ويرعبك خلوُّها من أصوات الناس والسيارات وستتمنى العودة إلى المنزل سريعاً.

ما هذا الخبر عند الفجر؟ علمت أن جارنا أصيب بالمرض وانعزل في المنزل المجاور. شعرت بالقلق فالفيروس قريب جداً. كيف أستطيع إبعاده عن أولادي. صرت أفكر: هل يعقل أن يكون جارنا قد استخدم المصعد الكهربائي أو أن يكون قد لمس حافة الدرج، أم أن أحداً من أفراد عائلته الذي يجلب له أغراضه أو طعامه ويضعها خارج باب منزله قد أصيب أيضاً؟

طلبت من أولادي وبشدة الالتزام المنزل لأنه الملاذ الوحيد لتفادي العدوى. صرت أردد في نفسي "الله يبعد المرض".

مع اشراقة يوم جديد وكعادتي قبلت ابنتي المدللة على جبينها لأتفاجأ بحرارتها المرتفعة وأجدها تشعر بالبرد وأنفها يسيل مع ألم خفيف في البلعوم. خفت كثيراً: "يا رب ساعدني. أكيد هيدي انفلونزا وليست كورونا". هذا ما قلته في نفسي بإيمان وثقة كبيرين.

وضعت لها الكمادات الباردة وأعطيتها خافض للحرارة، الحساء الساخن أفضل وجبة في هذه الحالة لقد حضرته لها وأطعمتها. النهار يمضي والنهار طويل، حرارتها ترتفع، تسع وثلاثين درجة، قاومي الحرارة يا فتاتي.....

طلع الصبح وها هي الحرارة تنخفض والحمد لله

الشمس تطل من جديد وأنا مرهقة جداً ولكني لا أستطع التكاسل. عليّ أن أكون قوية وأن أقوم بواجباتي كلها فاذا انهرت أنا ستنهار بالمقابل العائلة كلها.

عليّ أن أجلب حوائج المنزل، نزلت إلى السوبر ماركت ولكن، ماذا يحصل؟ الأسعار ارتفعت بشكل جنوني والنقود التي معي لا تكفي. حسناً، سأحاول شراء الأغراض الضرورية والأساسية فقط. خرجت من الماركت وأنا أكلم نفسي "شو هالهم الجديد؟ ما بيكفي انو جوزي بلا شغل بسبب هالأزمة، وانو مكسور علينا ايجار شهرين للبيت بسبب الاقفال وقت بلش الكورونا؟ طيب كيف فينا نكفي هيك؟"

وصلت إلى المنزل وأنا أشعر بالحيرة والحزن، سألني زوجي فأخبرته عما يجول بخاطري فردّ عليّ بثقة كبيرة محاولاً تخفيف همي: "لا تخافي الله كبير". لم يعد لي كلام بعد هذا، لقد انقضى نهاري بصعوبة.

يوم آخر يطل، ابنتي صباحاً تطلب كوباً من الحليب ولا يوجد عندي. نزلت مجدداً كعادتي كل يوم إلى الماركت لشراء حاجياتي بالإضافة إلى الحليب وإذ بسعر كيس الحليب يرتفع جداً، حتى أني لاحظت سعر فوط الأطفال أيضاً زاد بشكل جنوني.

عدت خالية اليدين وقلت لابنتي البالغة من العمر ثلاثة عشر عاماً سنؤجل شراء الحليب فهي تستطيع الاستغناء عنه لفترة. لكن واجبي كأم يفرض عليّ أن أؤمن طلبات أولادي وأن أساند زوجي في هذا الازمة. آخ... ما باليد حيلة، كيف هذا وأنا لا أعمل، رأسي بدأ يؤلمني وأعصابي بدأت بالانهيار. كيف سأدعم عائلتي؟ وأنا شخصياً ألست بحاجة للدعم النفسي وربما المادي كي أستطيع الصمود والاستمرار؟

نهار آخر مشمس. وأخيراً السلطات ترفع الحظر ليومين لتعود وتفرض الاقفال التام مجدداً إثر زيادة عدد الإصابات بالفيروس وتفادياً لتفاقم انتشاره فالمستشفيات تغص بالمرضى ولم يعد هنالك من أسرة كافية لاستقبال المزيد.

أنهيت أعمالي المنزلية باكراً لنخرج بعد الظهر إلى السوق أنا وصديقتي. ازدحام شديد فالناس تتحضر للحجر المنزلي مجدداً وتشتري مستلزماتها. وبينما نحن في أحد المحلات سمعنا صوت هدير طائرة قوي وما هي إلا ثوانٍ حتى حصل انفجار مدوٍّ أسقطنا جميعاً أرضاً وتكسّر الزجاج فوق رؤوسنا. الصدمة كانت كبيرة والفزع أكبر. صرت أرتجف من الخوف وتقطعت أنفاسي، لم أصدق أننا نجونا فالقتلى كثيرون والجرحى هرعوا في الطرقات فيما صوت سيارات الإسعاف كان مريعاً، الشوارع أقفلت والدخان الأسود يتصاعد في كل مكان حتى أن شبكة الاتصالات انقطعت. ركضنا إلى منازلنا لنطمئن على أولادنا والحمد لله كانت الأضرار مادية فقط.

انقضى النهار بذاكرة بشعة وأوجاع كبيرة "ألا يكفي كل ما نمر فيه، لقد كان هذا الانفجار قمة الخوف.

صباح اليوم التالي حاولت النهوض من فراشي لأقوم بأعمالي المعتادة ولكن الألم كان كبيراً وكانت قواي تنهار فلازمتُ الفراش ثلاثة أسابيع متتالية. المسكنات لم تعد تفيد فجسمي لم يعد يستطيع تحمل الضغط النفسي والألم الجسدي الذي عشته في زمن الكورونا. كنت أشعر بالدوار المستمر وآلام في الظهر والرقبة ورجفة قوية في اليدين حتى أني صرت أنسى كثيراً وتركيزي قلّ جداً ولم أعد أستطيع حتى الكتابة. طبيب العائلة نصحني بالعلاج الفيزيائي ولكن لا فائدة.

قصدت طبيباً آخر "اختصاص عظم" وبالفعل شخّص لي مرضي بدقة: التهاب العضلات الليفية. هو يحدث إثر التعرض لصدمة أو توتر نفسي، حيال الضغوطات التي كنت أعيشها كل يوم. وصف لي الدواء فوجدت صعوبة في إيجاده فمعظم الأدوية تفقد من الصيدليات والموجود فيها ازداد سعره.

بعد فترة من العلاج آلامي خفت بشكل كبير وعدتُ أدعم عائلتي من جديد.

الأيام تمر بصعوبة وثقل كبير، نهار آخر يبدأ وبتنا نعيش الروتين نفسه فلقد تعودنا على اتخاذ أساليب الوقاية وتعايشنا مع فكرة الفيروس والأطباء يؤكدون أن الجميع سيصابون به لا مفر، والمطلوب أن نكون جاهزين لمقاومته بكافة الطرق.

اليوم، بعد انقضاء فترة من الزمن، لاح أمل لاكتشاف لقاح ضد المرض والدول العظمى بدأت بالتسارع لإنتاجه.

في النهاية أكون أتممت رسالتي كأم واعية خطورة هذا الفيروس وكأم صارعت وبذلت مجهوداً كبيراً للحفاظ على صحة عائلتها. سهرت وضحت وتعبت ومرضت وكان كل همها عائلتها الصغيرة. عسى أن نعود قريباً إلى حياتنا الطبيعية ويتحقق حلمنا بالتخلص من الفيروس وإلى الأبد، مع تمنياتي بالشفاء لكل من أصيب به وصلواتي بالرحمة لمن توفوا".

 

 

 

 

 


معرض الصور