بعد نكسة حزب الله وبيئته، يطلّ علي لاريجاني بصفته المبعوث الإيراني في مهمة تمزج الأمن بالسياسة لإعادة الإمساك بخيوط النفوذ الإيراني في لبنان.
الخميس ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٥
المحرر السياسي- لفت ديبلوماسيّ لبنانيّ سابق، ويتمتع بخبرة في العلاقات الأميركية الإيرانية، في جلسة مغلقة، على ضرورة متابعة حركة الشخصية الإيرانية البارزة علي لاريجاني في مهمته ترتيب البيت الشيعي في لبنان بعد نكسته الأخيرة. ومع أنّ الديبلوماسي اللبناني لم يدخل في تفاصيل مهمة لاريجاني الا أنّه فتح أفقا صحافياً في تقصي الحقائق الجديدة بشأن إعادة ايران تموضعها في لبنان والاقليم من خلال ما يُعرف ب" الديبلوماسية الأمنية". وانطلاقا من هذه الإشارة ، يمكن استرجاع ملامح لاريجاني ليس كرئيس للبرلمان انما في موقعه القيادي في أمانة مجلس الأمن القومي الإيراني ، وقد وجد أمامه فجأة ملفا معقداً في حساسيته في السياسة الإيرانية الخارجية وهو الملف اللبناني بكل تشعباته الإقليمية والمحلية والمذهبية. منذ تعيينه مجددًا في منصب أمين مجلس الأمن القومي الإيراني في آب الماضي، بدأ لاريجاني رحلة إعادة الإمساك بخيوط النفوذ الإيراني في لبنان، بعد الحرب التي خلّفت جراحًا سياسية وميدانية في صفوف حزب الله، وأربكت البيئة الشيعية التي شكّلت لعقود حاضنته الاجتماعية. تحرّكُ لاريجاني على الساحة اللبنانية لم يكن تقليديًا. فبدل المقاربة العقائدية أو العسكرية التي ميّزت جيل الحرس الثوري، جاء بأسلوب سياسي – أمني جديد بعدما استطاعت القيادة الإيرانية ضبط الخلل الكبير الذي أصاب حزب الله بعد مقتل أبرز قيادييه فأمسكت بقيادة الحزب مقدمة لترتيب أسس تعاونٍ جديد مع كوادر حزبية صاعدة. يدرك لاريجاني أنّ «ترميم حزب الله» لا يقتصر على إعادة تسليحٍ أو تدريبٍ تقني، فالمعركة الأخيرة لم تضعف القدرات القتالية للحزب فقط بقدر ما هزّت صورته داخل بيئته وبين حلفائه. من هنا، يتولّى لاريجاني مهمة مزدوجة: دعم الجناح العسكري عبر القنوات التقليدية، وإعادة بناء الثقة داخل المجتمع الشيعي اللبناني الذي تعب من الحروب والانعزال. من هنا، لم تقتصر لقاءات لاريجاني الأخيرة في الوسط الشيعي مع قيادات ميدانية بل توسعت الى لقاء قيادات اجتماعية ودينية مقدمة لترميم الوجدان الشيعي توازياً مع ترميم الهرم في حزب الله والذي قطع أشواطا مهمة على الصعيد الإداري. ويمكن القول إنّ لاريجاني ومعاونيه قطعوا مسافة في الترميم الذي يؤهل حزب الله على البقاء برعاية إيرانية متشددة، في مرحلة انتقالية تنقل الحزب من الانهيار الى التماسك، وقد عبّر الشيخ نعيم قاسم مؤخرا عن هذا الواقع بنفيه قدرة الحزب على الهجوم بل على الدفاع بما يضرب في العمق خطاب السيد حسن نصرالله قبل اغتياله ويكشف بشكل غير مباشر، عن أنّ هذا الخطاب افتقد الى الكثير من الواقعية. هنا يظهر لاريجاني بصفته حامل المشروع «الترميمي» الذي يهدف إلى تثبيت الانتماء لإيران كحاميةٍ للمقاومة، لكن بلباس أكثر براغماتية. وقد حاول في خطاباته أن يربط بين المقاومة والتنمية، وهذا توجه جديد في الاستراتيجيات الإيرانية التي أهملت طويلا مبدأ الانماء في الهلال الشيعي، في عقدين، كان الحرس الثوري يمسك بالملف اللبناني بشكل مباشر، من خلال شخصيات ميدانية أو أمنية. فهل ينجح لاريجاني في نقل ملف حزب الله وبيئته الشيعية من مجرد حالة من حالات امتداد الحرب السورية أو الصراع مع إسرائيل، الى ما هو أعمق تنمويا؟ لا يلغي هذا التساؤل في خضم النكسة الشيعية بعد قرار فتح الجنوب كجبهة مساندة، اندفاعة لاريجاني لتغيير معادلات تقليدية في علاقة ايران بشيعة لبنان، لكنه لا يتخطى الثوابت التالية: -مواصلة دعم حزب الله على كل المستويات، وبقوة،وهو أشار الى أنّ الحزب"يُعيد بناء نفسه" بعدما خسر قياداته البارزة وفقد الكثير من بناه التحتية....ويتركز التعويل الإيراني في هذه المرحلة على خلق نخبة عقائدية في شباب الشيعة. - تأمين وحدة الصف الشيعي، وقد نجح لاريجاني في احتضان الرئيس نبيه بري ، وهذه خطوة مهمة وجوهرية في الأهداف الإيرانية. -تثبيت الموقع الشيعي في المعادلة اللبنانية بحيث تبقى القوة القاطرة كما كانت في جمهورية الطائف منذ انطلاقتها في التسعينات وشهدت ذروتها بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وفي هذه النقطة، لا تتهاون القيادة الإيرانية في مسألتين: -الدفاع عن سلاح حزب الله ولو كلّف الأمر الدخول في حرب داخلية اذا ما قررت الدولة بأركانها نزع هذا السلاح بالقوة. -تأمين الضغط على أركان الدولة بشكل يُبقي الدائرة السياسية في حالة من الارتباك التي تسمح باستغلالها في تسويات داخلية تُبقي النفوذ الشيعي قويا في رسم اللوحة السياسية اللبنانية، وهذا يعني أنّ المقاربة الإيرانية للبنان ولو راعت حديثاً توازناته الطائفية الا أنّ الأساس هو المحافظة على القوة الشيعية داخليا كعنصر يمهّد لاستعادة مكانة الحزب في " وحدة الساحات" فهل هذا ممكن أو سهل؟ يتخوف البعض من أن تخطئ ايران مجددا كما أخطأت كثيرا بعد " طوفان الأقصى" فيدفع لبنان وشيعته ثمنا مضاعفا عما دفعوه حتى الآن. ومن المخاوف أن يهمل الفريق الايراني الجديد العوامل الخارجية المؤثرة كالولايات المتحدة الاميركية والسعودية، وأن لا يهمل أبدا معنى إمساك القيادة الاسرائيلية بالملف اللبناني ككل باعتباره يهدد الوجود الاسرائلي... ومن المخاوف أيضا وأيضا ، أن تؤدي التعبئة السياسية والشعبية التي يقوم بها الحزب حاليا في استنهاض قاعدته الى مفعول عكسي، فبدل توظيفه في مواجهة اسرائيل فإنّه يرتد الى الداخل ليُعيد لبنان الى زمن الحرب الأهلية. فهل ينجح لاريجاني في تثبيت النفوذ الشيعي في الداخل اللبناني ما يعزّز النفوذ الايراني على الجهة الشرقية من البحر المتوسط وفي الصراع مع المحور الاميركي الاسرائيلي وهو الذي يحتلّ موقعًا فريدًا بين جناحي النظام الإيراني؛ فهو من مدرسة المحافظين في الولاء للقيادة العليا، لكنه يقترب في أسلوبه من البراغماتيين الذين يفضّلون الحوار والتسويات على التصعيد الأيديولوجي، ما يجعله خيارًا مناسبًا لمهمات "الترميم" في ساحات حسّاسة متعددة ومنها لبنان.
توحي المواقف الأميركية والايرانية تصعيدا في الميدان العسكري سينعكس على الجبهة اللبنانية.
بين فصل الجبهات وتضارب الرسائل الدولية، تبدو الجبهة اللبنانية مفتوحة على حرب طويلة تُدار بمنطق التدمير أكثر من التسوية.
بعد تجربة الترسيم البحري، يدخل لبنان مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد التفاوض خيارًا متاحًا بسهولة، بل نتيجة تُفرض بعد حرب تغيّر موازين القوى.
بيار روفايل من الصحافيين الذين تركوا، في تاريخ الصحافة اللبنانية ، بصمة خاصة جداً.
من الأرض المحروقة إلى السيطرة التكنولوجية، إسرائيل تختبر نموذجًا جديدًا للاحتلال، فيما الداخل اللبناني غارق في انقساماته.
بين غموض الحرب وعجز الدولة واستنزاف المجتمع واندفاعات حزب الله، يتحول النزوح الجماعي إلى قنبلة اجتماعية موقوتة تهدد الاستقرار اللبناني.
من القرار 1701 إلى تعثّر الوساطات، يتكرّس موقع لبنان كورقة تفاوض إقليمية في صراع تتجاوز حدوده الجغرافيا.
تُمسك ايران بالملف اللبناني حربا وسلما مع اتجاهها الى ضمه الى ملف المفاوضات مع الولايات المتحدة الاميركية.
تتكاثر الأسئلة حول الصاروخ الذي اخترق الأجواء فوق كسروان: هل كان استهدافًا عشوائيًا أم رسالة استراتيجية مرتبطة بتوازنات الحرب الإقليمية؟
فتح اعلان الرئيس دونالد ترامب التوصل الى تسوية مع ايران باب الاجتهادات والتوقعات.