المراوحة : اتفاق الإطار وصندوق النقد ينتظران
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- ثمة ما يستحق التوقف عنده في حصيلة الحراك اللبناني في واشنطن: كثرة اللقاءات لا تعني بالضرورة اقتراب التسويات.
ففي ملفين يفترض أن يكونا من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى مستقبل لبنان، أي مسار التفاوض مع إسرائيل والمسار المالي مع صندوق النقد الدولي، تتحرك الاتصالات، وتتوالى الاجتماعات، وتصدر عبارات الدعم والالتزام، لكن الانتقال من إدارة المسار إلى حسمه لا يزال مؤجلاً.
في لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، لم يكن الخلاف على مبدأ استمرار المسار، بل على كيفية نقله إلى مرحلة أكثر عملية. سلام طلب جدولاً زمنياً واضحاً لتنفيذ اتفاق الإطار، وآلية تحقق موثوقة، وترجمة مبدأي التبادلية والمرحلية إلى خطوات ملموسة، بما يفتح الطريق أمام الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة وحصر السلاح بها. أما الجانب الأميركي فأعاد تثبيت دعمه للإطار الثلاثي، مع التشديد على التزامات لبنان، وفي مقدمها ملف سلاح حزب الله.
لكن الفارق بين تثبيت المواقف وتثبيت المواعيد يبقى كبيراً. فاللقاء لم ينتج إعلاناً عن اتفاق جديد يحدد بوضوح الخطوة التالية في مسار التفاوض، ولا عن صيغة نهائية للمرحلة التي تلي انتهاء مهمة اليونيفيل. وهذه المسألة تزداد حساسية مع اقتراب نهاية الولاية الحالية للقوة الدولية، فيما لا تزال صورة البديل أو الآلية التي يمكن أن تملأ الفراغ غير مكتملة. وكان لقاء سلام–روبيو يُنظر إليه أصلاً باعتباره فرصة لاستكشاف مصير الجولة المقبلة من المفاوضات وما بعد اليونيفيل.
وهنا تظهر المراوحة بمعناها السياسي الدقيق، فلا عودة إلى نقطة الصفر، لكن لا انتقال حاسماً إلى الأمام أيضاً. الإطار موجود، والمرجعيات معروفة، والولايات المتحدة تؤكد دعمه، والحكومة اللبنانية تقول إنها تريد تفعيله، لكن عناصر التنفيذ ما زالت موزعة بين التزامات لبنانية وانسحاب إسرائيلي وآلية تحقق ودور أميركي، فضلاً عن العقدة الأكثر حساسية المتعلقة بالسلاح. ولذلك يبدو المسار وكأنه يتحرك داخل الإطار نفسه من دون أن يبلغ بعد النقطة التي تصبح فيها التفاهمات السياسية إجراءات قابلة للقياس والتنفيذ.
المشهد نفسه، وإن في سياق مختلف، يبرز في الملف المالي. فلقاء سلام ووزير المال ياسين جابر مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا انتهى إلى اتفاق على أن يزور وفد من الصندوق لبنان بعد الاجتماعات السنوية لاستئناف المفاوضات، بهدف إحراز تقدم نحو اتفاق. وأكد الجانب اللبناني التزامه استكمال الإصلاحات والتشريعات، ولا سيما قانون الفجوة المالية، فيما نوّه الصندوق بما تحقق في المالية العامة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. لكن النتيجة بقيت في إطار استئناف التفاوض وتسريع العمل، لا في إطار إبرام الاتفاق نفسه.
وهكذا، في الملفين معاً، تبدو واشنطن وكأنها محطة لتثبيت المسارات أكثر منها محطة لإغلاق الملفات. فالمراوحة قد تكون مفيدة عندما تكون جزءاً من تفاوض يحتاج إلى وقت، لكنها تصبح مشكلة حين تتحول إلى نمط دائم لإدارة الأزمات.
وهنا تكمن المفارقة في أنّ لبنان يتحرك أكثر مما كان يتحرك، لكنه لم يصل بعد إلى حيث يريد أن يصل.
فإذا كانت المرحلة السابقة قد اتسمت بتعطيل المسارات، فإن المرحلة الحالية تبدو أقرب إلى إدارة المراوحة: لا انهيار للتفاوض، ولا حسم له، لا توقف لمسار الإصلاح، ولا اتفاق نهائي مع الصندوق، ولا نهاية فورية للدور الدولي في الجنوب، ولا صيغة معلنة مكتملة لملء الفراغ الذي قد يتركه، فمتى تبدأ مرحلة التنفيذ، ليخرج لبنان من المراوحة الى مرحلة مرحلة صناعة النتائج.