Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

قراءة في خطاب ترامب:تفاوض من موقع القوة

أعطى الرئيس دونالد ترامب حيّزا واسعا في كلمته الأممية لايران وهددها قبل أن يُبقي باب التفاوض معها مفتوحا.
الرئيس ترامب
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

ليبانون تابلويد- لا تبدو كلمة دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد دفاع عن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، بقدر ما تبدو محاولة لإعادة رسم القاعدة التي تحكم السياسة الدولية من وجهة نظره: القوة العسكرية هي التي تصنع شروط التفاوض، وليس التفاوض الذي يقيّد استخدام القوة.
من هنا، لم يكن وضع إيران في مقدمة الخطاب تفصيلاً ظرفياً. فقد قدّمها ترامب باعتبارها النموذج الأكثر وضوحاً للتهديد الذي يجب احتواؤه بالقوة والعزل الاقتصادي، رابطاً بين برنامجها النووي والصواريخ الباليستية ودعمها لحلفائها الإقليميين والارهاب. وفي المقابل، حرص على إبقاء نافذة التفاوض مفتوحة، متحدثاً عن إمكان التوصل إلى اتفاق بعد انتخابات منتصف الولاية الأميركية في تشرين الثاني.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الخطاب، ترامب لا يضع الحرب في مواجهة التفاوض، بل يجعلهما مرحلتين من السياسة نفسها. الحرب تضغط، والعقوبات تعزل، والقوة العسكرية تفرض الوقائع، ثم يأتي التفاوض لتثبيت النتيجة. لذلك بدا تهديده بإمكان دفع إيران "إلى الجحيم" مترافقاً مع حديثه عن اتفاق محتمل. الرسالة ليست إغلاق باب الدبلوماسية، وإنما القول إن هذا الباب لن يُفتح من موقع الندية التقليدية.
لكن الأوسع من إيران هو مفهوم القوة الأميركية نفسه. فترامب لم يكتفِ بالحديث عن الحرب والصواريخ، بل أعلن توسيع القدرة الأميركية على إنتاج الذخائر والصواريخ، وتحدث عن مصانع جديدة للدفاع، كما ربط الأمن الأميركي باستخدام القوة في نصف الكرة الغربي. وفي ملف غرينلاند، جاء الاتفاق الأمني الجديد مع الدنمارك وغرينلاند ليعزز الحضور العسكري الأميركي في المنطقة القطبية. 
بذلك تتحول القوة العسكرية في الخطاب من أداة لمعالجة أزمة محددة إلى بنية دائمة للسياسة الخارجية الأميركية. الولايات المتحدة لا تريد فقط أن تكون قادرة على خوض الحرب، بل تريد أن تمتلك القدرة الصناعية والعسكرية التي تجعل حلفاءها وخصومها يأخذون هذه القدرة في حساباتهم قبل الوصول إلى الحرب.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم هجوم ترامب على المحكمة الجنائية الدولية أيضاً. فرفضه إخضاع الولايات المتحدة لمنظومة دولية تقيّد حركة القوة الأميركية ينسجم مع تصوره الأوسع للسيادة، فالدولة القوية تحتفظ بحرية الحركة، والمؤسسات الدولية لا تستطيع أن تضع نفسها فوق القرار الوطني الأميركي. 
وهكذا تتجمع في الخطاب عناصر تبدو للوهلة الأولى منفصلة: إيران، المحكمة الجنائية الدولية، غرينلاند، إعادة تسليح الحلفاء، والتهديد باستخدام القوة في أميركا اللاتينية. لكنها تصبح أكثر ترابطاً إذا قُرئت باعتبارها تعبيراً عن سياسة خارجية تقوم على استعادة حرية الحركة الأميركية، وتقليص القيود التي تفرضها المؤسسات الدولية، واستخدام التفوق العسكري والاقتصادي كوسيلة لفرض شروط التفاوض.
وهكذا يمكن قراءة خطاب ترامب في الأمم المتحدة باعتباره إعلاناً عن قاعدة واحدة: السلام ممكن، لكن من موقع القوة، والتفاوض ممكن، لكن بعد فرض شروطه، والمؤسسات الدولية مقبولة ما دامت لا تتحول إلى قيد على القرار الأميركي.
ترامب يتحدث عن إنهاء الحرب مع إيران، لكنه لا يتحدث عن الصين، فيما تتحرك الصين تحديداً في المساحة التي يريد ترامب أن يحتكرها... تحويل الحرب إلى تفاوض.
 

آخر الأخبار