اتفاق الإطار... وامتحان حزب الله الأصعب
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي-خرق الوفد اللبناني المفاوض منطقة مليئة بالأفخاخ، ولا يزال من المبكر الجزم بما إذا كان قد اجتازها بالكامل. إلا أنّ الاختبار الحقيقي لا يكمن في توقيع الاتفاق، بل في تنفيذه.
فليست هذه المرة الأولى التي تدفع فيها الولايات المتحدة لبنان إلى اتفاقات من هذا النوع، ثم تتراجع عنها أو تتركها حبراً على ورق، كما حصل في محطات عدة، وآخرها ما ارتبط بالاتفاقات الخاصة بغزة.
ما يثير القلق في هذه المرحلة هو احتمال انزلاق لبنان إلى اهتزاز أمني يواكب رفض حزب الله لهذا الاتفاق، وما يصدر عنه من تلويح بالحرب الأهلية. ومصدر هذا القلق لا يعود إلى رفض الحزب بحد ذاته أو إلى ربطه الملف الجنوبي بالمفاوضات الإيرانية، بل إلى تراكم الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها الحزب في الأشهر الأخيرة، من حرب الإسناد إلى حرب الثأر، وما رافقهما من انكسارات عسكرية توّجتها السيطرة الإسرائيلية على تلة علي الطاهر، وقبلها بنت جبيل، ثم توسع الاحتلال من النقاط الخمس إلى رقعة واسعة من الجنوب، حوّلها إلى أرض محروقة ومنكوبة وخالية من مقومات الحياة.
ولا تبدو خطابات بعض قيادات حزب الله كافية لطمأنة بيئته، بعدما طرحت معادلة تكاد تكون سوريالية، قوامها أن "الجغرافيا ليست مهمة"، والدعوة إلى الصبر والتعويل الكامل على إيران.
لا شك في أن اتفاق الإطار يعكس موازين القوى التي أفرزتها الحرب، كما هي حال معظم الاتفاقات التي تعقب الحروب، من الحربين العالميتين وصولاً إلى حرب غزة.
وفي جوهره، يقوم الاتفاق الذي وقعه الوفدان اللبناني والإسرائيلي على منهجية "التجريب"، بدءاً بانسحاب إسرائيلي من "منطقتين نموذجيتين" صغيرتين نسبياً، مقابل بسط سلطة الجيش اللبناني شمال الليطاني وجنوبه، على أن يشكل ذلك مدخلاً إلى مراحل لاحقة قد تصل في نهاية المطاف إلى اتفاق سلام.
ويعني ذلك أن أي تقدم في تنفيذ الاتفاق، وأي التزام بالوعود الإسرائيلية والأميركية، يبقى مرتبطاً بحصرية السلاح بيد الدولة. وهذا البند لا يخرج عن قرارات الحكومة اللبنانية السابقة المتعلقة باحتكار الدولة للسلاح، وبسط سيادتها الكاملة، وانفرادها بقرار الحرب والسلم. وهي ثوابت لم يحِد عنها الوفد اللبناني المفاوض، الذي تمسك، في المقابل، بشروطه : الانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأهالي، وتحرير الأسرى، وإعادة الإعمار.
وهذه المطالب هي نفسها التي يرفعها حزب الله. غير أن الخلاف بينه وبين السلطة التنفيذية، وهو شريك فيها، ينقل الأزمة إلى مكان آخر. فوزراء الحزب وافقوا على "العلم والخبر" الذي أقرته الحكومة بشأن التفاوض، ومنحوه شرعيته الميثاقية. كما أن الرئيس نبيه بري كان يأمل أن يكون "حصان" التفاوض، علماً أن اتفاق الإطار، بما تضمنه من تنازلات، لا يبتعد كثيراً عن اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي وافق عليه الثنائي الشيعي، ولا عن التنازلات التي تضمنها اتفاق ترسيم الحدود البحرية، والذي كان الرئيس بري نفسه مهندسه السياسي الأبرز.
تكمن المشكلة الأساسية اليوم في أن السلطة اللبنانية خرجت، للمرة الأولى منذ عام 2005، عن منطق التجاوب الكامل مع خيارات حزب الله. ففي مقاربة الخروج من النكبة الجنوبية واللبنانية، اختار الرئيسان جوزاف عون ونواف سلام وحكومتهما التموضع ضمن الخيارين العربي والأميركي، فيما لا يزال حزب الله متمسكاً بالخيار الإيراني وبمشروعه الإقليمي.
يبقى السؤال: ماذا بعد؟
تشير المعطيات الأولية إلى أن الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، والقوى التي يمثلانها، لن يتراجعا عن خيار فصل لبنان عن المحور الإيراني، في وقت يعاني هذا المحور ترهلات واضحة. في المقابل، لا يبدو حزب الله مستعداً للانفصال عن إيران أو عن مشروعها الإقليمي، وقد أعطى إشارات أولية إلى انتقاله من معاركه الخاسرة مع إسرائيل إلى التصعيد في الداخل، ليس على مستوى الخطاب فحسب، بل أيضاً في الشارع.
وعليه، يبرز السؤال الأكثر حساسية: ماذا ستكون خيارات السلطة التنفيذية إذا تمادى التصعيد في الشارع؟ وأين سيكون موقع الجيش اللبناني إذا وجد نفسه أمام مواجهة تبدو، في نظر كثيرين، أقرب إلى الاحتمال الجدي منها إلى مجرد فرضية؟