بين بري والجيش وحزب الله... لبنان يختبر انضباط الشارع لا انفجاره
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- لم يكن المشهد الذي أعقب تظاهرات أنصار حزب الله عادياً. ففي لبنان لطالما تحولت فيه الاحتجاجات السياسية إلى مواجهات أمنية أو طائفية، بدا أن ثمة قراراً غير معلن بمنع الشارع من الانزلاق إلى الفتنة، رغم حدة الانقسام الذي أحدثه الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي. فالاعتراض كان واضحاً، والغضب الشعبي موجود، لكن الانضباط كان السمة الأبرز، وكأن مختلف القوى تدرك أن أي انفلات داخلي لن يخدم سوى لحظة إقليمية شديدة التعقيد، فيما لا يزال مصير التفاهمات الأميركية - الإيرانية مفتوحاً على كل الاحتمالات.
ولعل أكثر ما عكس هذا الإدراك كان المواقف الثلاثة التي صدرت تباعاً عن رئيس مجلس النواب نبيه بري وقيادة الجيش والأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، والتي، على اختلاف منطلقاتها، التقت عند هدف واحد هو منع انتقال الخلاف السياسي إلى مواجهة في الشارع.
إلا أن المشهد لم يخلُ من مؤشرات مقلقة. فقد رفع عدد من المتظاهرين صور رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، ووجهوا إليهما اتهامات بالعمالة لإسرائيل، في سابقة استهدفت رأسَي السلطة التنفيذية مباشرة. كما علت هتافات مذهبية من قبيل "شيعة... شيعة... شيعة"، في استعادة لخطاب التعبئة الطائفية الذي عرفه لبنان في أكثر محطاته توتراً. ولم يكن ذلك مجرد تعبير عن رفض الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي، بل حمل في طياته محاولة لإضفاء بعد مذهبي على الصراع السياسي، بما كان ينذر بإمكان خروج الاحتجاجات من إطارها السياسي إلى مساحة أكثر خطورة على الاستقرار الداخلي.
لكن اللافت أن هذا المسار لم يستمر، وكأن القيادات السياسية سارعت إلى احتواء اندفاعة الشارع وإعادة رسم حدود الاشتباك السياسي. فالرئيس بري لم يلجأ إلى خطاب سياسي تقليدي، بل استحضر عبارة الإمام علي بن أبي طالب: "كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهراً فيُركب ولا ضرعاً فيُحلب"، مستهلاً كلامه بعبارة "يا أهلي في لبنان، كل لبنان، إنها الفتنة". واختيار هذه اللغة لم يكن عفوياً، فهي تحمل دلالات دينية وثقافية عميقة داخل البيئة الشيعية، بما يوحي بأن الرسالة كانت موجهة أولاً إلى جمهور حركة أمل وحزب الله، قبل أن تشمل اللبنانيين جميعاً. أراد بري أن يقول إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن يتحول الشارع إلى أداة في صراع يريد الآخرون استثماره، وأن المطلوب هو عدم الانجرار وراء الاستفزازات والانفعالات، لأن الفتنة إذا اشتعلت لن توفر أحداً.
وفي موازاة هذا الخطاب، جاء بيان قيادة الجيش ليؤكد أن المؤسسة العسكرية لن تكون طرفاً في الصراع السياسي، بل الضامن للاستقرار. فالبيان أقر بحق المواطنين في التعبير والتظاهر، لكنه رسم في الوقت نفسه خطوطاً حمراء واضحة تتمثل في رفض قطع الطرق، والاعتداء على الأملاك العامة والخاصة، والإخلال بالنظام العام. وهي معادلة دقيقة تعكس محاولة المؤسسة العسكرية الحفاظ على التوازن بين احترام الحريات ومنع الفوضى، بما يكرس دورها كمرجعية وطنية في مرحلة تزداد فيها الضغوط على الدولة.
أما خطاب الشيخ نعيم قاسم، فقد حمل بدوره أكثر من رسالة. فمن جهة، جاء حاسماً في رفض الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي، معتبراً أنه لا يمكن أن يشكل مدخلاً لمعالجة الصراع مع إسرائيل، وطرح في المقابل أن أي تسوية حقيقية تمر عبر التفاهمات الأميركية - الإيرانية التي ستحدد موازين القوى في المنطقة. لكن، ومن جهة أخرى، لم يغلق الباب أمام الحوار الداخلي، عندما أبدى استعداد الحزب لمناقشة الاستراتيجية الدفاعية، وهو تطور لا يمكن تجاهله في ظل النقاش المتجدد حول مستقبل السلاح ودور الدولة.
ولعل المفارقة أن الشعارات التي استهدفت رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لم تتحول إلى موقف رسمي لدى حزب الله أو حركة أمل، بل بقيت في إطار اندفاعة الشارع، فيما جاء خطاب القيادة السياسية أكثر انضباطاً. وهذا التمايز بين خطاب الجمهور وخطاب القيادة قد يكون مؤشراً إلى إدراك الحزب وحلفائه أن تحويل المواجهة إلى صدام مع العهد والحكومة لن يخدم أولوياتهم في هذه المرحلة، بل قد يفتح الباب أمام فتنة داخلية مرفوضة وخطيرة.
هذه المواقف المتزامنة تبدو وكأنها تشكل عناصر معادلة واحدة: بري يحذر من الفتنة، والجيش يضبط الشارع، وحزب الله يرفع سقف اعتراضه السياسي من دون أن يدفع نحو مواجهة داخلية. وهي معادلة توحي بأن الجميع، بمن فيهم الحزب، يدرك أن الأولوية ليست فتح جبهة داخلية في الشارع "ومتاريسه"، بل انتظار ما ستؤول إليه التوازنات الإقليمية، ولا سيما مسار العلاقة الأميركية - الإيرانية الذي لا يزال يلقي بظلاله الساخنة والمتوترة على ملفات المنطقة كافة، من غزة إلى لبنان.
ولعل الرسالة الأهم في كل ما جرى أن لبنان، للمرة الأولى منذ وقت طويل، بدا وكأنه ينجح في الفصل بين الاحتقان السياسي والانفجار الأمني. فالتوتر لم يختف، والخلافات لا تزال عميقة، لكن هناك إدراكاً متزايداً لدى مختلف القوى بأن أي فتنة داخلية ستكون كلفتها أكبر بكثير من أي مكسب سياسي يمكن تحقيقه. ولذلك، فإن الشارع الذي خرج للاعتراض عاد سريعاً إلى الانضباط، ليس لأن أسباب الاحتجاج انتهت، بل لأن الجميع يدرك أن المرحلة لا تحتمل حرباً أهلية، لا باردة ولا ساخنة.
ويبقى السؤال: هل يعكس هذا الانضباط بداية ثقافة سياسية جديدة تقوم على إدارة الخلاف تحت سقف الدولة، أم أنه مجرد هدنة فرضتها الحسابات الإقليمية بانتظار أن تتضح صورة التسويات الكبرى؟
غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً قد يكون: هل كان ما جرى مجرد انضباط ظرفي فرضته حساسية المرحلة، أم أنه بداية انتقال لدى مختلف القوى، وفي مقدمها حزب الله، من منطق إدارة الشارع إلى منطق إدارة السياسة؟ فالإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي، بل ربما ترسم أيضاً ملامح المرحلة اللبنانية المقبلة، حيث يصبح ضبط الفتنة شرطاً إلزامياً لأي تفاوض، داخلياً كان أم إقليمياً.