Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية

بين مصافحة ترامب وغرس العلم في زوطر... ولادة سردية الدولة اللبنانية

.بدأت الدولة من واشنطن إلى زوطر الغربية تستعيد المشهد
الرئيس سلام في زوطر
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا


المحرر السياسي- لم تكن زيارة الرئيس جوزاف عون إلى البيت الأبيض حدثاً بروتوكولياً عادياً، كما أن الصورة التي التقطت لرئيس الحكومة نواف سلام وهو يغرس العلم اللبناني في ساحة زوطر الغربية لم تكن مجرد لقطة إعلامية. فالحدثان، وإن وقعا على مسرحين مختلفين، الأول في واشنطن والثاني في الجنوب، يبدوان وكأنهما وجهان لاستراتيجية سياسية واحدة عنوانها إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بوصفها المرجعية الوحيدة في الداخل، والشريك الوحيد في الخارج.
هذا الترابط لا يبدو مصادفة، بل يعكس محاولة واعية لربط الإنجاز الدبلوماسي بالرمزية الميدانية، بحيث تتحول السياسة الخارجية إلى وقائع على الأرض، وتتحول الأرض بدورها إلى دليل على صدقية التعهدات السياسية. 
أظهرت لقاءات الرئيس عون في واشنطن أن الإدارة الأميركية لم تعد تتعامل مع لبنان باعتباره مجرد ساحة لإدارة الأزمة، بل باعتباره شريكاً في تنفيذ مشروع سياسي وأمني جديد يقوم على تثبيت اتفاق الإطار، وتعزيز الجيش اللبناني، واستكمال انتشار مؤسسات الدولة، وصولاً إلى حصر السلاح بيدها.
الأهم أن الرئيس عون نجح في إقناع الإدارة الأميركية بأن تنفيذ هذا المشروع يحتاج إلى غطاء سياسي ودعم اقتصادي وضغط أميركي متواصل على إسرائيل لاستكمال انسحابها من الأراضي التي لا تزال تحتلها، لأن أي تأخير في هذا الانسحاب سيضعف موقع الدولة ويقوي حجج القوى الرافضة للمسار الجديد.
ولعل أبرز ما خرجت به الزيارة هو انتقال العلاقة الأميركية مع لبنان من مرحلة التشجيع النظري إلى مرحلة الشراكة العملية في تنفيذ الاتفاقات الميدانية، وهو تحول نوعي إذا ما استمر سيؤسس لمرحلة مختلفة في إدارة الملف اللبناني.
بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على اللقاء في البيت الأبيض، كانت زوطر الغربية تقدم صورة أخرى لا تقل أهمية.
فحين غرس رئيس الحكومة نواف سلام العلم اللبناني في ساحة البلدة، لم يكن يقوم بمراسم احتفالية، بل كان يبعث برسالة سياسية متعددة الاتجاهات.
فالرسالة الأولى موجهة إلى اللبنانيين، ومفادها أن الدولة هي التي تعود إلى الجنوب، لا بوصفها وسيطاً بين القوى المسلحة، بل بوصفها صاحبة السيادة.
والرسالة الثانية موجهة إلى المجتمع الدولي، بأن الحكومة اللبنانية تنفذ عملياً ما التزمت به في المحافل الدولية، وأن انتشار الجيش ليس مجرد وعد سياسي.
أما الرسالة الثالثة، فهي إلى إسرائيل نفسها، بأن أي انسحاب لا يكتمل إلا عندما تملأ الدولة اللبنانية الفراغ، فلا يتحول الانسحاب إلى مساحة نفوذ جديدة لقوى الأمر الواقع.
منذ تحرير الجنوب عام 2000، ارتبطت الصور الكبرى في الذاكرة اللبنانية برايات الأحزاب أكثر مما ارتبطت براية الدولة.
أما صورة زوطر الغربية فحملت دلالة مختلفة، إذ أصبح العلم اللبناني هو واجهة المشهد.
ولا يعني ذلك إلغاء التضحيات التي قدمتها قوى المقاومة عبر عقود خصوصا في مرحلة ما قبل العام 2000، بل يعني أن المرحلة الجديدة تريد أن تنقل شرعية الإنجاز من الفاعل العسكري إلى المؤسسة الوطنية، ومن القوة المسلحة إلى السيادة الدستورية.
إنها محاولة لإعادة تعريف مفهوم الانتصار نفسه، بحيث يصبح انتصار الدولة هو الإطار الذي يستوعب كل التضحيات، لا أن يبقى الانتصار موزعاً بين سلطات متوازية ارتباطاتها العلنية والمستورة إقليمية الطابع.
يكشف تزامن الحدثين عن توزيع واضح للأدوار داخل السلطة اللبنانية.
يتولى الرئيس جوزاف عون  تثبيت الشرعية الخارجية وتأمين المظلة الدولية، بينما يعمل رئيس الحكومة نواف سلام على تحويل هذه الشرعية إلى حضور ميداني للدولة.
هذا الانسجام مهم لأنه يقدم للمرة الأولى منذ سنوات صورة عن رأسَي السلطة التنفيذية وهما يتحركان ضمن رؤية واحدة، لا ضمن مشروعين متنافسين.
فالدبلوماسية في واشنطن لا قيمة لها إذا لم تترجم في الجنوب، كما أن انتشار الجيش في الجنوب يصبح هشاً إذا لم يحظَ بغطاء سياسي دولي يحميه.
ليست زوطر الغربية مجرد بلدة جنوبية، أصبحت، في الحسابات السياسية، أول مختبر فعلي لما يعرف بـ"المناطق التجريبية"، حيث يجري اختبار قدرة الدولة على إدارة منطقة كانت لعقود تحت تأثير المعادلات العسكرية والأمنية المعقدة.
فإذا نجحت التجربة هناك، يمكن تعميمها على مناطق أخرى.
أما إذا تعثرت، فسيصبح تنفيذ اتفاق الإطار أكثر صعوبة، لأن الخصوم، المحليون والاقليميون، سيعتبرون أن الدولة غير قادرة على الإمساك بالأرض حتى مع الدعم الدولي.
لهذا فإن قيمة زوطر ليست جغرافية بقدر ما هي سياسية، فهي تمثل أول امتحان حقيقي لقدرة الدولة على تحويل النصوص إلى وقائع.
في السياسة الحديثة، قد تعادل الصورة أحياناً بياناً سياسياً كاملاً.
وصورة الرئيس عون في المكتب البيضاوي وصورة الرئيس سلام وهو يغرس العلم اللبناني في زوطر الغربية تنتميان إلى السردية نفسها.
الأولى تقول إن لبنان عاد شريكاً موثوقاً في المجتمع الدولي.
والثانية تقول إن هذا الشريك بدأ يستعيد أرضه ومؤسساته.
وبين الصورتين يتشكل خطاب سياسي جديد يقوم على فكرة بسيطة ولكنها عميقة وهي أن سيادة الدولة لا تُبنى بالتصريحات وحدها، ولا بالانتشار العسكري وحده، بل بالتكامل بين الاعتراف الدولي والحضور الوطني.
قد يكون من المبكر إعلان نجاح هذا المسار، فتنفيذ اتفاق الإطار لا يزال يواجه تحديات كبيرة، من استكمال الانسحاب الإسرائيلي إلى معالجة ملف السلاح، مروراً بإعادة إعمار الجنوب وترسيخ ثقة المواطنين بالدولة. لكن ما حدث خلال الأيام الماضية يشير إلى أن لبنان دخل مرحلة مختلفة في إدارة الصراع.
فالبيت الأبيض منح الدولة اللبنانية شرعية سياسية متجددة، وزوطر الغربية منحتها أول صورة ميدانية لهذه الشرعية.
وبين واشنطن وزوطر الغربية، لم يكن العلم اللبناني مجرد قطعة قماش رُفعت فوق ساحة، بل بدا وكأنه الإعلان الرمزي عن محاولة استعادة الدولة لمكانها الطبيعي، بوصفها المرجع الوحيد الذي يجمع اللبنانيين في الداخل، ويمثلهم في الخارج. 
فهل ينجح هذا المسار ويكتمل؟

آخر الأخبار