حزب الله في مواجهة الرئيس عون: معركة التفاوض أم معركة التخوين؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- منذ انطلاق المسار التفاوضي اللبناني – الإسرائيلي، يرفع حزب الله وحلفاؤه سقف انتقاداتهم إلى حد اعتبار ما يجري استسلاماً سياسياً، بل تجاوز بعض الخطاب حدود المعارضة السياسية إلى تخوين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ووصفهما بالعمالة، في مستوى غير مسبوق من الاتهامات التي تستهدف الأشخاص أكثر مما تناقش الوقائع.
يقوم هذا الخطاب على فرضية أساسية مفادها أن لبنان أخطأ عندما فاوَض بنفسه، وأن الأفضل كان انتظار تفاوض إيراني مع الولايات المتحدة وإسرائيل يضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من الأراضي اللبنانية، بينما لا يؤمّن اتفاق الإطار سوى انسحابات جزئية ومتدرجة تمتد على فترة زمنية طويلة.
لكن هذه المقاربة تتجاهل السؤال الأكثر أهمية، هل تتغير طبيعة النتيجة بمجرد تبدل هوية المفاوض؟
فإذا جلس الوفد اللبناني إلى الطاولة، أو جلس الإيراني للتفاوض حول الملف اللبناني، فإن الطرف المقابل يبقى هو نفسه، إسرائيل، وبرعاية أميركية. وبالتالي، فإن العامل الحاسم لا يكمن فقط في شخصية المفاوض، بل في موازين القوى التي تحكم التفاوض وفي طبيعة الطرف الإسرائيلي الذي يفاوض الجميع بالأسلوب ذاته.
إن اختزال نتائج مفاوضات روما في أداء الوفد اللبناني وحده، من دون احتساب موقع إسرائيل العسكري والسياسي، يشبه محاسبة لاعب شطرنج على خسارته من دون الالتفات إلى أن خصمه يمتلك قطعاً أكثر ويحدد قواعد اللعبة.
واللافت أن منتقدي المفاوضات يسقطون عاملين أساسيين لا يمكن تجاوزهما.
أولهما، الواقع الميداني الذي نشأ بعد حربي "الإسناد" و"الثأر"، حيث انتهت المواجهة إلى تفوق عسكري إسرائيلي واضح، سواء في حرية الحركة الجوية أو في القدرة على فرض وقائع أمنية جديدة، بينما أخفق حزب الله في تحقيق معادلة الردع التي حكمت مرحلة ما بعد عام 2006. وفي أي نزاع، لا تُكتب شروط التفاوض في قاعات الاجتماعات وحدها، بل تبدأ على خطوط النار قبل الوصول إلى الطاولة.
أما العامل الثاني فهو الخبرة الإسرائيلية الطويلة في إدارة المفاوضات، وهي خبرة تراكمت على مدى أكثر من سبعة عقود، وأظهرت أن إسرائيل تدخل أي تفاوض بمنهجية تقوم على تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الأمنية والسياسية، بصرف النظر عن هوية الطرف العربي المقابل.
ففي مفاوضات الهدنة عام 1949، استثمرت إسرائيل نتائج الحرب لترسيم خطوط منحتها واقعاً ميدانياً أفضل من قرار التقسيم.
وفي مفاوضات كامب ديفيد مع مصر، ورغم إعادة سيناء كاملة، أصرت على ترتيبات أمنية معقدة، ومناطق منزوعة السلاح، وضمانات أميركية طويلة الأمد، بما يحفظ تفوقها الاستراتيجي.
وفي اتفاق وادي عربة مع الأردن عام 1994، لم تقتصر المفاوضات على ترسيم الحدود، بل شملت المياه والأمن والتنسيق الحدودي، بحيث خرجت إسرائيل بحزمة واسعة من الضمانات الأمنية.
أما المفاوضات مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بشأن الجولان، فكانت المثال الأوضح على التفاوض الإسرائيلي الشرس. فعلى الرغم من أن الأسد كان يقود دولة تملك جيشاً نظامياً كبيراً وتحظى بدعم سوفياتي ثم روسي وإيراني، رفضت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الانسحاب الكامل إلى خط الرابع من حزيران 1967، وتعطلت جولات تفاوض عديدة بسبب أمتار قليلة على شاطئ بحيرة طبريا، لأن إسرائيل اعتبرت أن السيطرة على تلك المنطقة جزء من أمنها القومي. لم يكن المفاوض السوري ضعيفاً، ولم يكن يفتقر إلى أوراق القوة، لكن إسرائيل بقيت تتفاوض من موقع التشدد.
وينطبق الأمر أيضاً على اتفاق 17 أيار 1983 مع لبنان، الذي صاغته إسرائيل بعد اجتياح 1982 من موقع المنتصر عسكرياً، وفرضت فيه ترتيبات أمنية واسعة قبل أن يسقط لاحقاً بفعل التحولات السياسية والعسكرية. غير أن إسقاط الاتفاق لم يلغِ حقيقة أن إسرائيل فاوضت يومها بالعقلية نفسها التي فاوضت بها مصر وسوريا والأردن، أي عقلية تحويل الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي.
هذه المحطات التاريخية تكشف حقيقة غالباً ما تغيب عن السجال اللبناني، وهي أن صلابة المفاوض الإسرائيلي ليست استثناءً مرتبطاً بلبنان، بل هي سمة ثابتة في جميع ملفات الصراع العربي – الإسرائيلي .
ومن هنا، فإن تقييم أي تفاوض يجب أن يبدأ من السؤال الصحيح، ما هو هامش الحركة المتاح للمفاوض اللبناني في ظل ميزان القوى القائم؟ وليس من السؤال الشعبوي، لماذا لم يحصل على كل ما يريده؟
ذلك أن التفاوض ليس مباراة أمنيات، بل عملية لانتزاع الممكن من خصم يرفض أساساً تقديم التنازلات. وحتى لو افترضنا جدلاً أن إيران تفاوض نيابة عن لبنان، فإنها ستجلس أمام المفاوض الإسرائيلي نفسه، الذي فاوَض عبد الناصر، والسادات، وحافظ الأسد، والملك حسين، ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولم يغيّر يوماً قواعده الأساسية.
ولذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يدور حول اسم المفاوض، بل حول مقدار القوة التي يحملها معه إلى الطاولة. فالمفاوض لا يصنع ميزان القوى، بل يعكسه. أما تحميله وحده مسؤولية كل نتيجة، مع تجاهل الوقائع العسكرية والسياسية التي سبقته، فهو تبسيط مخلّ لا يساعد على فهم ما يجري.
قد يختلف اللبنانيون حول جدوى اتفاق الإطار، وحول حجم المكاسب التي يمكن أن يحققها، لكن تحويل النقاش إلى اتهامات بالخيانة، أو إلى فرضية أن المفاوض الإيراني كان سيغيّر سلوك إسرائيل جذرياً، لا يستند إلى سوابق التاريخ. فالتاريخ العربي مع إسرائيل يقول شيئاً واحداً، هوية المفاوض تتبدل، أما المفاوض الإسرائيلي ومنهجه في تعظيم مكاسبه فيبقيان ثابتين، فيما تحدد موازين القوى حدود ما يمكن انتزاعه على طاولة التفاوض.