رئيس الجمهورية يرسم حدود الموقف اللبناني فهل تملك الدولة مفاتيح تنفيذه؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- رسم الرئيس جوزاف عون في مقابلة "النهار" معالم الموقف الرسمي اللبناني بوضوح. فلا تفريط بأي شبر من الأرض اللبنانية، ولا قبول باستمرار الاحتلال الإسرائيلي، ولا لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، مع التمسك في الوقت نفسه بخيار استعادة الحقوق عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية، وبحصر القرار الوطني بمؤسسات الدولة.
هذه ليست مواقف جديدة في جوهرها، لكنها تكتسب أهمية استثنائية لأنها تصدر عن رئيس للجمهورية يحاول إعادة الاعتبار إلى الدولة بعد سنوات طويلة من تداخل الصلاحيات وتعدد مراكز القرار.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بسلامة هذه المواقف، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى وقائع سياسية وأمنية.
ففي موازاة الخطاب الرسمي اللبناني، تكشف المعطيات المتداولة في الأوساط الدبلوماسية والإعلامية الغربية عن مقاربة مختلفة للمشكلة. فهناك من يرى أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية لا يمكن أن يتحقق قبل توفير ضمانات أمنية تتصل بمستقبل سلاح حزب الله ودوره العسكري جنوب الليطاني. سواء اتفق اللبنانيون مع هذه المقاربة أم رفضوها، فإنها باتت جزءاً من البيئة التفاوضية التي يتحرك فيها الوسطاء.
ومن هنا تبدأ المعضلة الحقيقية.
الرئيس جوزاف عون يتحدث باسم الدولة اللبنانية، لكن الدولة نفسها لا تحتكر وحدها القرار الأمني والعسكري. فحزب الله لا يخفي رفضه ربط سلاحه بأي تفاوض مع إسرائيل، ويعتبر أن هذا السلاح جزء من معادلة الردع الإقليمية، وليس بنداً قابلاً للنقاش على طاولة التفاوض.
وهنا تظهر فجوة يصعب تجاهلها.
فالوسطاء الدوليون لا يكتفون بسماع المواقف السياسية، بل يبحثون عن ضمانات قابلة للتنفيذ. وإسرائيل، من جهتها، لا تبدو مستعدة للفصل بين انسحابها من النقاط التي تحتلها وبين اقتناعها بأن التهديد الأمني قد انتهى أو تراجع بصورة جوهرية.
وبذلك، لم تعد المشكلة محصورة في ترسيم الحدود أو في تطبيق اتفاقات وقف إطلاق النار، بل أصبحت تتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية نفسها، فهل هي صاحبة القرار النهائي في قضايا الحرب والسلم، أم أن هذا القرار ما زال موزعاً بين الدولة وقوى أخرى؟
هذا السؤال لا يستهدف طرفاً بعينه، بل يلامس جوهر الأزمة اللبنانية منذ عقود. فكلما دخل لبنان مفاوضات كبرى، عاد المجتمع الدولي ليسأل عن الجهة القادرة على تنفيذ أي التزام يتم التوصل إليه، وليس فقط عن الجهة التي توقع عليه.
ومن هنا يمكن فهم حجم التحدي الذي يواجه عهد الرئيس جوزاف وحكومة نواف سلام. فالرئيس لا يفاوض فقط إسرائيل أو الوسطاء الدوليين، بل يفاوض أيضاً الواقع اللبناني بكل تعقيداته، حيث تتداخل الاعتبارات الداخلية مع الحسابات الإقليمية، وتتقاطع مصالح اللاعبين المحليين مع أجندات القوى الخارجية.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن الملف اللبناني منفصل عن التحولات الإقليمية الكبرى، ولا سيما مسار العلاقة الأميركية-الإيرانية، والدور الإسرائيلي المتعاظم في رسم الترتيبات الأمنية الجديدة. فلبنان لم يعد مجرد ساحة نزاع حدودي، بل أصبح جزءاً من إعادة تشكيل موازين القوى في المشرق.
لهذا، فإن أهمية مقابلة الرئيس جوزاف عون لا تكمن فقط في إعادة التأكيد على الثوابت الوطنية، بل في أنها تفتح الباب أمام نقاش أكثر عمقاً حول معنى السيادة في لبنان اليوم. فالسيادة ليست مجرد رفض للاحتلال أو تمسك بالحدود، بل هي أيضاً قدرة الدولة على احتكار القرار وتنفيذ التزاماتها والدفاع عنها.
ويبقى الامتحان الحقيقي أمام العهد هو الانتقال من إعلان المبادئ إلى صناعة الوقائع. فإذا نجحت الدولة في استعادة وحدانية القرار، تصبح مواقف رئيس الجمهورية أساساً لمسار تفاوضي متماسك. أما إذا بقي القرار موزعاً بين أكثر من مرجعية، فإن أفضل المواقف السياسية ستبقى تصطدم بميزان القوى على الأرض، وسيظل لبنان عالقاً بين خطاب الدولة وواقع الدولة.