روما بلا اختراق: الانتخابات ذريعة والتشدد الإسرائيلي عنوانه موازين الجنوب
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- لم يكن بيان وزارة الخارجية الأميركية عن الجولة الأخيرة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في روما بياناً عن اختراق، بقدر ما كان بياناً عن إدارة الخلاف. فواشنطن قالت إن المحادثات كانت «بنّاءة ومثمرة» على المستويين الفني ومستوى الخبراء، وإن الجانبين باتا "أقرب" إلى التوافق حول الخطوات اللازمة للمضي في توسيع وتطوير مشروع "المناطق الاختبارية" (Pilot Zones)، لكن التدقيق في هذه اللغة الدبلوماسية يكشف أن ما تحقق قد يكون أقل بكثير مما توحي به عبارة "مثمرة". وحين سأل موقع "ليبانون تابلويد" المراقب الللبناني المطلع في واشنطن عن رأيه في بيان الخارجية، قال" الامور بدون بيانات طويلة ومدهنة بتشغل بالي الى حين اثبات العكس".
فلو كانت الجولة قد أنتجت اتفاقاً سياسياً واضحاً، لكان البيان الأميركي تحدث عن تفاهم أو اتفاق أو خطوات تنفيذية محددة. أما القول إن الطرفين أصبحا "أقرب" إلى التوافق، فيعني في اللغة الديبلوماسية ، أن المسافة تقلّصت فقط، وهذه نقطة جوهرية، لأن المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية لا تواجه خلافاً تقنياً فحسب، بل تصطدم بسؤال أكثر تعقيداً، من يملك القدرة على فرض الوقائع في الجنوب، ومن يملك ضمانات تنفيذها؟
لم تكن المشكلة في روما في التفاصيل التقنية وحدها، بل في الهوة بين ما تريده إسرائيل وما يستطيع لبنان القبول به.
وقد يكون من السهل تفسير التشدد الإسرائيلي بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة، باعتبار أن أي حكومة أو قيادة سياسية إسرائيلية تجد صعوبة في تقديم تنازلات في ملف أمني حساس قبيل الاستحقاق الانتخابي، لكن الانتخابات قد تكون التفسير الشكلي للتشدد، لا تفسيره الكامل. فالمشكلة أعمق من الحساب الانتخابي، وتتصل بموازين القوى التي نشأت في الجنوب بعد الحرب الأخيرة وبالواقع الأمني الذي تريد إسرائيل تثبيته قبل الانتقال إلى أي صيغة أكثر استقراراً.
وهنا تحديداً تكمن أهمية "المناطق الاختبارية". فهذه المناطق ليست مجرد ترتيبات ميدانية صغيرة يمكن توسيعها تدريجياً، بل هي في جوهرها اختبار لموازين القوى الجديدة في الجنوب، فهل يستطيع الجيش اللبناني أن يثبت وحده قدرته على الإمساك بالأرض؟
من هذه الزاوية يمكن قراءة بيان الخارجية الأميركية بطريقة مختلفة. فواشنطن لا تقول إن الطرفين اتفقا، بل تقول إنهما أصبحا "أقرب". ولا تتحدث عن تسوية نهائية، بل عن تطوير وتوسيع مشروع تجريبي. أي أن المسار لا يزال في مرحلة الاختبار.
ولعل السؤال الأهم بعد روما ليس، هل كانت المحادثات مثمرة أم لا؟ بل لمصلحة من تعمل هذه المفاوضات في ظل موازين القوى الحالية؟
لهذا، ربما كان بيان واشنطن دقيقاً أكثر مما يبدو للوهلة الأولى. لقد تحدث عن "التقدم" من دون أن يتحدث عن "الاتفاق"، وعن الاقتراب من التوافق من دون الإعلان عن التوافق. وفي السياسة، قد تكون هذه المسافة الصغيرة بين الكلمتين هي بالضبط المسافة التي تفصل بين مفاوضات تتحرك ومفاوضات تنتج حلاً.