لبنان من "الساحة" الى "الجائزة"
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
أنطوان سلامه- منذ استقلاله، اعتاد اللبنانيون وصف بلدهم بأنه "ساحة" تتقاطع فوقها مصالح الدول وتتنازعها المشاريع الإقليمية والدولية.
لم يكن هذا الوصف مجازاً أدبياً، بل كان توصيفاً لواقع عاشه لبنان منذ الحرب الباردة، مروراً بالصراع العربي–الإسرائيلي، والوجود الفلسطيني المسلح، والوصاية السورية، وصولاً إلى مرحلة النفوذ الإيراني الذي بلغ ذروته مع صعود حزب الله لاعباً إقليمياً يتجاوز الحدود اللبنانية، ولا يمكن تحديد الموقع الأميركي وتأثيراته الداخلية في حين عاد العامل الإسرائيلي ليتوغل في لبنان بشكل غير مسبوق منذ العام ٢٠٠٠.
يتغيّر المشهد اليوم ومن الواجب التوقف عنده. بمقاربات مختلفة عن السابق، فلبنان لم يعد مجرد ساحة لتبادل الرسائل "النارية" أو "الباردة" بين القوى المتنافسة، بل بدأ يتحول إلى ما يشبه "الجائزة" التي يسعى كل طرف إلى إدخالها ضمن مشروعه السياسي والأمني والاقتصادي، محلياً واقليمياً ودولياً.
قد يحمل هذا التحول دلالات عميقة. ففي مرحلة "الساحة"، تقاطعت المطامع الخارجية عند إبقاء لبنان مفتوحاً للصراعات، بحيث يخدم مصالح الآخرين ولو على حساب استقراره. أما في مرحلة "الجائزة"، فإن السؤال أصبح مختلفاً: أي لبنان سيخرج من هذه المرحلة؟ وإلى أي منظومة إقليمية أو دولية سينتمي؟
تراجع النفوذ الإيراني في عدد من الساحات، والضربات التي تعرض لها محور طهران خلال العامين الأخيرين، وتنخرط الولايات المتحدة مباشرة في رسم ترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط، وهي من العوامل التي أعادت وضع لبنان الى صلب عملية إعادة رسم الخرائط السياسية، فلا يقتصر الاهتمام الأميركي على منع اندلاع حرب جديدة، بل قارب شكل الدولة اللبنانية نفسها، ودورها، وحدود سيادتها، وقدرتها على احتكار القرار الأمني والعسكري.
في المقابل، تبدلّت الاستراتيجية الإسرائيلية في لبنان، انتقلت من منهجية إبعاد الخطر العسكري عن حدودها الشمالية، إلى تثبيت واقع أمني طويل الأمد، يرتبط بحزام أمني واسع يمتد من غزة الى الناقورة، يمنع القدرة على إعادة بناء بنية عسكرية معادية. فربطت حكومة نتنياهو الجنوب اللبناني بمعادلة الأمن الإقليمي، وتجاهد ايران على تثبيت لبنان كجبهة أمامية تتحكّم بقرار الحرب والسلم فيها من خلال حزب الله وحلفائه، برغم التحولات في سوريا.
تراقب الدول العربية، ولا سيما الخليجية هذا التحول. فلا ترغب في العودة إلى لبنان في اطار مفاهيم العقود الماضية، حيث اقتصر دورها على الاستثمارات المهزوزة والتأثير الجانبي.
حتى الدول الأوروبية باتت تنظر الى لبنان أكثر كضفة شرقية للبحر المتوسط يرتبط عضويا بمصالحها وأولوياتها في ملفات اللاجئين والهجرة غير الشرعية والمسارات الاقتصادية والديبلوماسية.
وسط هذه التغيرات الكبيرة، يخوض اللبنانيون معارك الحاضر وكأنّها معارك الأمس، بمفردات سياسية محنّطة من أزمنة الناصرية والبعثية والعرفاتية، وبانقسام بين "الوطنية والانعزالية" وكأنّهم "يتخندوقون" في خطوط تماس الحرب الأهلية،فلا يرون لعمق هذه الخنادق تلك التحولات التي طرأت في الإقليم خصوصا بعد اتفاق "أوسلو" وارتداداته على أصحاب القضية الأساس .
يدور الخطاب السياسي الداخلي في حلقات مفرغة حول توازنات السلطة وتقاسم النفوذ، فيما الهموم الدولية تطرح عناوين لبنانية تتناول العلاقة بين الدولة والسلاح، وبين الاقتصاد والسيادة، وبين الانتماء العربي والتوازنات الإقليمية.
لا تعني التوجهات الخارجية في "نادي الدول" أن مستقبل لبنان قد حُسم، أو أن هناك مشروعاً دولياً واحداً جاهزاً للتنفيذ. فما زالت المصالح الدولية تتقاطع أحياناً وتتعارض أحياناً أخرى، وما زالت القوى اللبنانية تعيش حالات من الانفصام كمرض لبنانيّ مزمن.
وهكذا، كلما تعمقت الانقسامات اللبنانية، ازداد خطر أن يتحول لبنان من وطن يصنع أبناؤه مستقبله، إلى "جائزة" يتنافس عليها الآخرون، فيما يطول السباق ويغيب الحكم النهائي.