بين قرار الحرب وغياب الرؤية، ينزلق لبنان إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حدوده، فيما الدولة تكتفي بإدارة التداعيات بدل صناعة المخارج.
الإثنين ٢٣ مارس ٢٠٢٦
المحرر السياسي — يمكن القول إنّ قرار "المقاومة الإسلامية في لبنان" فتح جبهة الجنوب إسنادًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بعد فتحها سابقًا إسنادًا لحركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في غزة، أدخل لبنان واللبنانيين جميعًا في دائرة مقفلة، خالية من المنافذ حتى إشعار آخر. لا يقدّم حزب الله كمسؤول عن هذه المقاومة الاسلامية ، أي خريطة طريق واضحة لمواجهة تداعيات إعادة فتح الجبهة، سوى خطاب مرتفع النبرة في التهديد وتحميل الآخرين تبعات قرارات يصفها بـ"المشبوهة". في المقابل، تعلن إسرائيل، مستفيدة من لحظة دولية مؤاتية، أنّ الحرب لم تبدأ بعد، وأنها حين تبدأ ستكون طويلة. لكن، في الميدان، تبدو ملامح الخطة الإسرائيلية أكثر وضوحًا: اعتماد منهجية "الأرض المحروقة"، والتفريغ السكاني، وعزل الجنوب عن بقية المناطق اللبنانية، من دون أن يظهر حتى الآن ردعٌ واقعي من قبل "المقاومة الإسلامية في لبنان". في إطلالة رئيس الحكومة نواف سلام الأخيرة، بدا الانفعال طاغيًا على خطابه، وهو انفعال مفهوم في ظل خطورة المرحلة، إلا أنّه لم يقدّم رسالة طمأنة فعلية للبنانيين، باستثناء إشارة خجولة إلى تنسيق بينه وبين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري. غير أنّ هذا التنسيق، في الحد الأدنى، لا يخفي التباينات الواضحة في مواقف "الترويكا"، والتي تعكس غياب رؤية موحّدة لخريطة طريق تُخرج لبنان من الدائرة الجهنمية التي انزلق إليها. وإذا كانت قيادات في حزب الله، ومعها طيف من المرجعيات الدينية الشيعية، ترمي "كرة نار" النزوح على عاتق الدولة، كبديل عن عجزها في مقاربة هذه الأزمة، فإنّ الحكومة نجحت حتى الآن في احتواء جزء من التداعيات الإنسانية والوطنية. إلا أنّ المؤشرات تنذر بتفاقم الأزمة مع حرب مرشحة للاستطالة، ما يعني ضغوطًا هائلة على خزينة عامة منهارة أصلًا منذ عام 2019، وعلى قطاع خاص يكافح للبقاء، وهذا يفتح الباب أمام أزمة موازية: ارتفاع البطالة، توقف الإنتاج، تصاعد التضخم، وغلاء المعيشة، وصولًا إلى مخاطر انهيارات نقدية جديدة. حتى الآن، لم يتضح ما إذا كانت الحكومة قد وضعت خطة اقتصادية طارئة يمكن تسميتها "خطة حرب"، في وقت لا تتحمّل فيه، فعليًا، قرار الانخراط في المواجهة، فيما يكتفي حزب الله، كقاطرة سياسية للمقاومة الاسلامية، بخطاب تعبوي يقوم على "التهويل والتهديد" و"الشيطنة". ومع انقطاع الحوارات العميقة، بين القطاعات كما بين الطوائف، تبدو الخيارات محصورة بخيار "المقاومة" الذي يطرحه حزب الله، وهو خيار باتت نتائجه شبه معروفة، بعد تجربة "إسناد غزة"، ومع بدايات ما يُسمّى "الثأر لخامنئي"، واقتراب البلاد من حافة انهيارات شاملة. هنا، قد يتحوّل الانهيار الاقتصادي إلى فتيل انفجار كبير، ما لم يبادر الرئيسان عون وسلام إلى إطلاق تحرّك استثنائي، كحملة تبرعات عربية ودولية تستقطب مساعدات مالية وعينية لبلد منكوب، منقسم، ومعزول. ربما تُطعم هذه المبادرة مليون نازح في مرحلتها الأولى… لكنها، في المدى الأبعد، قد تُطعم ملايين اللبنانيين.
قليلٌ يعرف أنّ الشاعر الفنزويلّي الكبير لويس غارسيا مورالس من لبنان.
مع تصاعد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، يعود لبنان إلى قلب الصراعات الإقليمية، في مشهد يعيد إنتاج تاريخه كجبهة مفتوحة لحروب الآخرين، لكن بكلفة إنسانية كبيرة.
يجد لبنان نفسه تحت سقف استراتيجية "التدمير المرحلي" مع تقليص المناطق الآمنة إلى فرض الشروط بالنار.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.