في وَدَاع راهبة المتحف

الجمعة 29 أيار 2020

في وَدَاع راهبة المتحف

 يصدر هذا المقال للشاعر هنري زغيب في وداع تيريز عواد بصبوص في ليبانون تابلويد توازيا مع صدوره في جريدة النهار.

هنري زغيب

ضئيلِين كان مودِّعوها...

لكنَّ وداعَها كثيرًا كان.

إِخال أَنصاب راشانا خرجَت من صمتها الدهري وانحنَت لدى مرور حارسة الإِرث.

تريز عواد بصبوص (بحرصاف 1934 - راشانا 2020) كانت راهبة المتحف الذي، منذ غادره مؤَسسه ميشال بصبوص سنة 1981، لم يكن يومًا يتيمًا لأَن تريز كانت عيناها عليه، وقلبها معه، وأُمومتها منبسطة على جميع الأَنصاب.

كأَن ميشال، يوم لفظ آخر كلماته قبل أَن ينطفئ بدقائق، قائلًا لها: "تريز، سلّميلي عليهم"، كان يأْتمنها على هذا المتحف المتمدِّد في ساحة المحترف وفي طرقات راشانا حاملًا كذلك أَعمال شقيقَيه أَلفرد ويوسف، ما جعل راشانا تنتقل من ضيعة منسية على كتف البحر في لبنان إِلى هالة نور عالمية في متاحف العالم وكتُب الفنون.

و"سلَّمت" تريز عليها. وحرَستْها وهي تتفقَّدها. وحرَستْها وهي تمر بينها في مسويات الغروب. وحرَستْها وهي تكتب قصائدها في أَجوائها المهيبة. وحرَستْها وهي تُصدر مؤَلفاتها الشعرية والمسرحية بالعربية والفرنسية.

وكانت بكل ذلك تمسك زهرة الريادة، على ما كانتْه مع المؤَسس في مشوار العمر.

حين أَخرج لها فؤاد نعيم مسرحيتها "البكرة" (1973) خرج الحضور ليلتها من "دار الفن والأَدب" يلهجون لجانين ربيز برأْي شبه موحَّد: "اليوم وُلد لنا مسرح جديد في لبنان". وحين استعادها، بعد ربع قرن، مسرح الجامعة اللبنانية الأَميركية LAU (ربيع 1998) لهج جمهورها بالانطباع ذاته، أَنها كانت عند صدورها عملًا تأْسيسيًّا.

وبتلك الريادة أَيضًا، خرجت قصائدها بالعربية لدى مغامرة يوسف الخال في مجلة "شعر" ومثلها لدى مغامرة أَدونيس في مجلته "مواقف".

كأَنها، منذ عادت من السوربون (1964) حاملة شهادتها العليا في الأَدب الفرنسي، كانت تُضمر أَن تَسِمَ الشعر اللبناني بالفرنسية من أَجواء ـاريس العقد السابع وتياراته الأَدبية والشعرية والفنية.

ووسَمت ببَصْمتها تلك القصائد، وتعقّبَتْها دور النشر الفرنسية (لارماتان خصوصاً) واجدةً فيها نسغًا جديدًا للشعر الآتي من الشرق مطعَّمًا بخيالات ـاريسية من دون أَن تطغى تلك الخيالات على أَرج صاحبة القصيدة.

ومن مغامرة الشعر والمسرح، جاءت إِلى مغامرة راشانا كي تَتَرهْبَنَ لها وفيها. لم تَعِش مغامرة ميشال بصبوص وأَنطوان ملتقى في "المسرح الراشاني" مع مطلع الستينات، لكنها وصلَتها واعيةً تذكارات المغامرة الإِبداعية شاهدةً على إِزميل ميشال العبقري، على ضرباته المتوهجة من دون توتُّر، والصاخبة من دون صراخ، وتعهَّدَت منذئذٍ أَن تكون حارسة الإِرث.

وانطلقَت من سحر راشانا وهدأَة نسيمها إِلى صفاء الشعر الذي يشبه ذاك السحر.

إِيمانها براشانا أَوصلَها إِلى نذور الشعر والمسرح، فتكرَّست لها ونذرَت أَن تكون راشانا عالَمَها الأَوسع حتى في أُمومتها حين تزوجت ميشالَها سنة 1967. ولعلَّها، يوم رُزقا وحيدَهما سنة 1969، هنِئَتْ أَكثر من عبقريِّها النحات أَن يحمل حتى الوليدُ هويةَ راشانا حين عكَسَا حروفها إِلى أَناشار. وحمل أَناشار حروف راشانا طردًا وعكسًا، وانتهج النحت طريقًا على هدي والده المبدع ووالدته الشاعرة.

عمرًا خصيبًا قضَت في حراسة الإِرث، حتى كان وفاءً نبيلًا من كل نُصُب أَن ينحني لدى مرور نعشها في طريقه إِلى السكون الأَبدي.

لذلك كان مودِّعُوها ضئِيلين... لكنَّ وداعَها كان كثيرًا، فمرَّت في صمتٍ وهي تنظر للمرة الأَخيرة إِلى تلويحة التماثيل والأَنصاب التي أَوكَل إِليها صاحبُها أَن "تُسَلِّم عليها"، فظلَّت "تُسَلِّم" بكل وفاءٍ حتى استسلمَت بسلامٍ في سكون العبور من الزمن الموَقَّت إِلى زمن الشِعر وهو الخالدُ الأَبدي.

  

من شِعرها:

... باحثين عن أَسمائهم يولَدون

كالشمس يولَدون غيرَ آبهين

آباؤُهم شَتْلٌ وهُم يُورِقون

لِمن الفَيْء؟ لِمن الأَعمار؟

ما هَـمّ... إِنهم يولَدون!

***

يولَدون والعين ترعى النَبْت

واليدُ تقلِّم الحياة والعناصر

في أُذنيَّ صوتُكَ وبُـحَّت حنجُرَتاي

سَيْلي يسأَل كيف الاتجاه

وروحي هائمةٌ بين الغبار

غُموضٌ... غُموض!

***

ليلٌ نسيَ النُورَ والاسمَ والأَصحاب

جهدٌ، كـدٌّ، عرَقٌ، تقطيع

ويأْسٌ فظيعٌ لا يجرؤُ أَن يقال!

***

عندما تشُحُّ الكلمات أُجَنُّ في داخلي

وصمتٌ... صمتٌ يَسقي حرائقي

وهم يولَدون

باحثين عن أَسمائهم يولَدون

وعند المساء نجمٌ يُنير طريق السعداء

***

من تُراه، هذا الذي يمضي؟

أَهو عقْلي يشُقُّ الطرقات؟

(مجلة "الأُوديسيه"، السنة الثانية، العدد 23، آذار 1984، ص 15)