لبنان في اللحظة القاتلة بين نارين وأكثر

الثلاثاء 16 حزيران 2020

لبنان في اللحظة القاتلة بين نارين وأكثر

 أنطوان سلامه- ارتبط لبنان مع سوريا تاريخيا في الجغرافيا السياسية قبل أن يوحده حزب البعث في وحدة المسار والمصير.

وإذا كان الرئيس حافظ الأسد، كرجل استراتيجي بامتياز، أدرك أهمية لبنان، كخاصرة أو حديقة خلفية، فإنّ استراتيجيته في التعامل مع لبنان لا تزال سارية المفعول خصوصا في هذه اللحظة الخطيرة التي تمرّ فيها سوريا في مواجهة "قانون قيصر".

هذا القانون، أو هذه العقوبات الأميركية التي فعلت فعلها في تدمير حزب البعث في العراق، وأنتجت في ايران تضييقا يقارب الخنق، يفرض نفسه بقوة، في تحديد المستقبل السياسي لسوريا من بوابة الاقتصاد.

تعي القيادة السورية هذا الأمر، لذلك استنفرت قواها، في مواجهة العاصفة التي ستزيد أرضيتها تفتتا، وهي تبحث عن منافذ للصمود، عبر تعزيز علاقاتها المبطنّة، مع دول الجوار.

تجد منفذا في الأردن، كمملكة تشتهي في هذه المرحلة الحصول على العملة الصعبة.

يُشاع، أنّ علاقة النظام السوري مع القيادة الأردنية جيدة، وتجري في الغرف البعيدة عن الأضواء، صفقات لتخفيف الضغط على النظام في دمشق، وترتكز هذه الصفقات على قاعدة "الدولار مقابل التعاون التجاري الخفيّ" أي السري، لتمرير المرحلة.

اذا استطاع النظام السوري تمرير حركة التصدير والاستيراد، عبر المعابر البعيدة من العين الأميركية، فهذا سيغذيه بالأوكسيجين ليصمد.

واقعا، لا تبتعد القيادة السورية عن العراق كمتنفس، فحكومة بغداد لن تعادي الأميركيين لكنّها لن تعارض الاستراتيجية الإيرانية التي ترى في سوريا قاعدة استراتيجية لمشروعها الإقليمي.

وسينفتح السوق العراقي على حاجات سوريا، عبر دوزنة مدروسة.

ويبقى الرافد الروسي ضروريا للتغذية العسكرية.

في الاتجاه التركي، الأمور أصعب، وتبقى الثغرة التي سيتسلل منها النظام هو نهم التاجر التركي في الربح.

هذا الاتجاه "النصف مقفل" ستعوّضه دول الجوار الأخرى...

أما لبنان، فتتجه القيادة السورية الى مزيد من التعاون مع حزب الله، باعتبار أنّ قانون قيصر يقطع سبل العلاقة بين "دولتين"، لكنّ لبنان هذه المرة، هو المعبر الوحيد، المتحرر من الحسابات الموجودة في الأردن والعراق، الذي سيضخ "الهواء المنعش" لدولة تعيش لحظة مصيرية.

فمرفأ بيروت الذي هو تاريخيا بوابة دمشق في المدى المتوسطي، سيشكل نقطة مهمة في أولويات الصمود السوري، وسيشكل لبنان خطا حيويا لضخ الدولار والنفط والغاز، وستتعاظم الحاجة السورية اليه في حال ضاقت المنافذ السورية مع الأردن والعراق، بحكم الضغط الاميركي.

ماذا يعني هذا الكلام؟

يعني أنّ لبنان ارتبط وثيقا مع سوريا في تلقي تداعيات قانون قيصر.

هل يستطيع النأي بنفسه؟

كل الدلائل تشير الى الاستحالة.

أولا، لسبب جغرافي.

ثانيا، لسبب واقعي، أنّه في الحصارات الدولية على أيّ بلد يظهر "اقتصاد مستحدث" يرتكز على التهريب.

ثالثا، واقع ما يُسمى "تحالف الأقليات" الذي تنخرط فيه جهات لبنانية.

رابعا، وهو الأهم، لن يسمح حزب الله، الذي يُمسك بالسلطة اللبنانية، أن يفقد جسره في اتجاه ايران.

ولعلّ ما حدث في مواجهة "حراك ١٧ تشرين" هو النموذج " للتعامل، بالعصا والجزرة، مع أيّ اعتراض شعبي، على التدهور الاقتصادي المعرض لانهيارات أوسع...

لذلك فإنّ لبنان مقبل على أيام صعبة بامتياز.

وما يحصل في وسط بيروت وفي طرابلس هو صدى للمواجهة المفتوحة في المنطقة.

هذا ما أدركه وليد جنبلاط في مصالحته مع طلال أرسلان تعزيزا "لأمن البيت الدرزي".

وهذا ما يفرض حسابات أخرى يجريها حراك ١٧تشرين للاستمرار في صيغ مختلفة ومبتكرة تراعي حساسيات المرحلة.

ويبقى أنّ المرحلة بقساوتها لن ترحم المسيحيين وأهل السنة اذا لم يعقلوا...فهل من يبادر الى جمع "الاضداد" في لبنان لتمرير العاصفة.

هل يبادر رئيس الجمهورية لمدّ طاولة حوار تؤمن اتفاقا على الحدّ الأدنى من المصلحة الوطنية في هذا الظرف العصيب؟