الحوار المطلوب في استحالة انعقاد اللقاءات الوطنية

الثلاثاء 23 حزيران 2020

الحوار المطلوب في استحالة انعقاد اللقاءات الوطنية

 المحرر السياسي- مهما كان موقف رئاسة الجمهورية من انعقاد اللقاء الوطني في قصر بعبدا، إيجابا، بإتمامه بمن حضر، أو سلبا، بنسفه، فإنّ المنصة السياسية في لبنان أصابها الخلل.

عرفت  الساعات الماضية، محاولات قيصرية قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري، من دون أن يتوصل الى أي ولادة طبيعية للقاء أراده منظموه جمعا لتناقضات بات مستحيلا أقلّه في المدى المنظور.

قد تُنقذ موافقة  اللقاء التشاوري على الحضور، ومشاركة رئيس الحكومة حسان دياب، ميثاقية اللقاء، لكنّ الحوار ترنّح قبل أن ينعقد، لأسباب مختلفة، منها:

سوء إدارة التحضير.

غياب خريطة الطريق بحدّها الأدنى من الوضوح.

رفع قاطرتي الحكومة، أي حزب الله والتيار الوطني الحر، سقف النقاش الى ممنوعات قاربت المحرمات، حتى أنّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، هدّد" بالقتل"، في ظاهرة فريدة من نوعها في السياسة اللبنانية الداخلية، وأيّ سياسة، وفي تعبير استثنائي لقائد حزبي، عُرف عنه، وفي عز مواقفه التصعيدية، أنّه يترك بابه الخلفي مفتوحا على النقاش.

يتزامن هذا التصعيد على تصعيد مقابل، خصوصا في الشارع السني المجيّش، والمستنفر حفاظا على ما يعتبره إخلالا بالتوازنات التي فرضها الدستور، وحددتها التسوية الرئاسية.

وإذا كانت الدعوة الى اللقاء الوطني بُنيت على قاعدة "اهتزاز السلم الأهلي" مؤخرا على خطوط التماس في عين الرمانة الشياح والطريق الجديدة، ووسط بيروت، فالواضح أنّ توترات هذه  الخطوط  تأتي من فوق، من المكوّنات السياسية التي تشكل جناحي السلطة، مجلس النواب والحكومة، وتتقاطع مع اختزانات العنف في الشارع نتيجة عامل اقتصادي خانق، وبسبب الحقن السياسي مذهبيا وطائفيا.

ويقف رئيس الجمهورية عند مفترق الطرق، بعدما قطع عهده نصف ولايته، في ظل مؤشرات سلبية جدا:

تشققات سياسية في الجبهة التي ينتمي اليها.

ارتفاع حدة المعارضة التي لا يعد يعرف مراقب أصولها وفصولها.

انعزال لبنان عن محيطه العربي، ومداه الغربي، وسط بحث عن بدائل صعبة.

تلبّد الغيوم بشكل كثيف عند حليفه السوري بعد انطلاق قانون قيصر الاميركي.

انفلات الشارع في فوضى تتخطى الضوابط التقليدية ليدخل لبنان معها ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات.

ضعف السلطة التنفيذية الى حدّ اللافعل الحكومي.

انهيار العملة الوطنية.

وباختصار، يدخل لبنان في الضياع والفوضى والتشتت من دون أن يلوح في الأفق أيّ مبادرة خارجية، تأتيه من باريس أو واشنطن، من الطائف أو من الدوحة، لترسم مسارا للإنقاذ في وقت يبدو الحوار الداخلي، على غرار حوارات لوزان مثلا في عهد الرئيس أمين الجميل، فاقد الأهلية، حتى اللقاء الشبيه بإعلان بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان أصبح صعبا.

ويقف حامي النظام، الثنائي الشيعي، مرتبكا، في ظل مواجهة سلاح جديد لم يعهده قبلا:

إسرائيل تتفرّج.

الولايات المتحدة الأميركية تحارب حزب الله عن بُعد، وبسيوف التطويق والعزل.

شارع يحاصر الضاحية ويعزلها عن امتداداتها الحيوية جنوبا وبقاعا، هذا ما حصل في ١٧ تشرين، وهذا ما قد يحصل، على الرغم من نجاح هذا الثنائي في توجيه ضربات موجعة للحراك الشعبي.

ويواجه التيار الوطني الحر تحديات عميقة، في داخله وفي بيئته الحاضنة، بعدما فقد هذا التيار وهجه التاريخي من دون أن يعني ذلك أنّ التطورات همشته.

أما التيارات الأخرى من المستقبل الى الاشتراكي وصولا الى القوات والكتائب فهي عاجزة عن الخرق، متحدة أو متفرقة، لأسباب عدة منها ارتطامها بجدار حزب الله أولا، وبافتقادها الى مشروع انقاذي.

يبقى الحراك الذي فقد اندفاعته نتيجة عوامل عدة، منها، تركيبته العفوية، وفقدانه مركزية القرار والمشروع، وغلبة الأطراف الدخيلة على جوهر تكوّنه.

في المحصلة، الكل ينتقد، الكل يوالي، الكل يعارض، والسفينة تغرق ، في وقت يجلس لبنان على طاولة الحوار مع صندوق النقد الدولي من دون ملف موثوق...

الكل مأزوم في وطن يعيش دوما في محنة.

 

   

 الصورة: عدسة نبيل اسماعيل.