Lebanon News I ليبانون تابلويد : أخبار الساعة من لبنان والعالم!


قصتي القصيرة مع الدكتور فارس ساسين

أنطوان سلامه- كان لي مع الدكتور فارس ساسين علاقة التلميذ مع أستاذه أو الأصح مع مرشده في الكتابة.

السبت ٢٤ يوليو ٢٠٢١

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة
اضغط هنا

أنطوان سلامه- كان لي مع الدكتور فارس ساسين علاقة التلميذ مع أستاذه أو الأصح مع مرشده في الكتابة.

فارس ساسين المثقّف والناقد والمحقّق  والمدقّق في النصوص، شكلا ومضمونا، تفاعلتُ معه حين عّرفني عليه الوزير السابق جو تقلا الذي قرّر أن يعطيه مهمة كتابة مسار والده سليم تقلا.

توليتُ كتابة "فصل" من الكتاب، عن تقلا في طفولته وفي دارسته في معهد عينطورة.

لم يتدخّل الدكتور ساسين، في النص، ولا في المنهجية، بل أظهر نقطة ضعفه تجاه معهد عينطورة الذي أمضى سنوات فيه، فجذبه تأريخ المناهج التربوية التي غرف منها تقلا، يقارن بينها وبين المناهج التي درسها في المعهد العريق.

اهتمّ  فارس ساسين بتفاصيل أخرى كالعلاقة الغريبة التي جمعت سليم تقلا الدستوري مع الياس أبو شبكه الميّال الى الكتلة الوطنية.

أحب الدكتور ساسين التفاصيل من دون أن يُهمل الجوهر والمنهج، هذا ما اكتشفته في تفاعلي معه في كتاب سليم تقلا والمؤتمر الذي أقيم في منتدى المتوسط للعلوم الإنسانية في مدينة إكس آن بروفنس في جنوب فرنسا ، وصدر عنه كتابان بالفرنسية بإدارة جيرار خوري، وبالعربية بإدارة الدكتور ساسين الذي عزّز الكتاب الصادر عن دار النهار بنصوص تتناول مباشرة سليم تقلا.

في إكس آن بروفنس اكتشفت ميزات الدكتور ساسين، في حبه للتجول في الأزقة العتيقة للمدينة الفرنسية، نمشي معا ساعات، يتوقف ليعطي ملاحظة، أو تعليق، يسخر في صياغة مبطّنة لموقفه من مشهد أو حركة أو ظاهرة.

واكتشفتُ ولعه بطائر "البوم" يشتري مجسماته الجميلة من المحلات، ويسخر من اللبنانيين لاعتبار هذا الطائر نظير شؤم ومآسي، في حين أنه رمز الحكمة والفلسفة، كما كان يفسّر لي ونحن نمشي على الأرصفة الفرنسية.

في لقاءاتنا، مع جو تقلا وجيرار خوري ونواف سلام... يتضح كم كان فارس ساسين مهتما بمرحلة الانتداب الفرنسي، يحاور بدقة منهيا جملته بعبارة ساخرة وضحكة مربوطة.

هذه هي شخصيته، كمحاور، لا يهاجم، ينتقد.

لا يغالي ، في الاعتراض أو الموافقة، بل يمرر ما يريد إبلاغه بسخرية وضحكة.

وحين تحدث في المؤتمر عن دور سليم تقلا في الانتداب الفرنسي والانفصال عنه استقلالا وطنيا، أدهش الحاضرين، من أكاديميين ومفكرين فرنسيين، بلغته التي اضمحلت حتى في فرنسا.

لغة دقيقة، كلاسيكية، أنيقة، أعادها الدكتور ساسين، في مداخلته، وفي كل ما كتبه فرانكوفونيا، الى أصالتها :الأناقة.

في هذا الاطار، تتظهّر صورته على أنّه "فولتيري" الانتماء، وكلاسيكي المسار، مع أنّه تعمّق في الفلسفة المعاصرة كأستاذ في الجامعة اللبنانية.

هذه القوة في جمع التفاصيل والجوهر جذبت اليه غسان تويني ، فكتبا معا عن مرحلة التأسيس اللبناني، ولعب دورا ثقافيا بارزا في النشر بإدارته دار النهار.

حين عرضتُ عليه كتابي " مرايا مغلقة" طلب مني أن أمدّ صفحاته أكثر، فرفضت.

في هذه الجلسة من " اللاتوافق" على نشر الكتاب عرضت فكرتي أنني لا أحب الكتابة الا في القصة القصيرة، والنص المكثّف، ولا أطيق التفاصيل.

أذكر يومها أنّه نصحني بأنّ من يريد أن يكتب القصة عليه التعرّف جيدا على أسلوب وحرفية  قصص "ألف ليلة ولية" وما فيها من منهجية " فتح الأبواب الجديدة" للاسترسال في الحبكة .

سمعته، ولم أبادر الى إطالة نصي السردي.

وكنتُ كلما التقيته بادرني بسخريته "أهلا بكاتب الليلتين" مستشهدا بما قلته له في تلك الجلسة، بأنني أميل الى أن أُقرأ في "ليلتين فقط".

أثّر الدكتور ساسين فيّ، خصوصا لجهة إعطائه أهمية للملاحق في أي دراسة، ولجهة انفتاح الكتاب دوما على التفاصيل بجمع الهوامش المتفرقة في صلب النص...

وأكثر ما جذبني اليه، سخريته التي تغلّف ذكاء حادا، وثقافة موسوعية، وقدرة على قول الكلام الجارح في صيغة شفافة.

وعاد الدكتور ساسين ونشر كتابي " العابر بين مزدوجين" الذي يُقرأ في ليلة.

قال لي عن كتابي " مرايا مغلقة" إنّ فيه جديدا، وهذا ما أشار اليه في مقدمته، حين نشرته ، الصديق- الأخ ميشال معيكي.

ردّد الدكتور ساسين مرارا، أنّ دار النشر لا يهم، ما يبقى هو الكاتب في نصه، وتساءل ساخرا، من الأهم جبران خليل جبران أو دور النشر التي  طبعت ووزّعت كتبه؟

حزين وجارح خبر وفاة الدكتور فارس ساسين، الملم في التفاصيل اللبنانية، هذا ما أدركه فيه غسان تويني والرئيس حسين الحسيني وكل من عرفه من جبور الدويهي الى وضاح شرارة وأحمد بيضون وصولا الى ناصيف نصار ووليد الخالدي وهدى بركات وجودت فخردين وملحم شاوول وكل من نشر له دار النهار في أيامه ...

هذا اللبناني الذي أطلق مع الشهيد الغالي سمير قصير ال L'orient Express، وأطلق أيضا L'orient litteraire مع الكسندر نجار، انتمى الى لبنان الجميل في تعايشه، وفي تناقضاته، وفي انفجاراته...

جذبه السؤال أكثر مما استهواه الجواب...

 وفي كل نشاطه الثقافي والفكري والاكاديمي كان الساخر الذي يُجيد البحث في الحدود الفاصلة بين الرصانة والعبث.

فارس ساسين، في قصتي القصيرة معه، مال الى الفنون التشكيلية بكل أنواعها، أحب الرسام الألماني- السويسري بول كلي، وأكثر ما جمعني به عشقنا المشترك للرسام موديلياني...

هذا الراحل الأنيق، جمعتني به محبة، واحترام، وقبول بما تفيض سخريته عليّ من ملاحظات ...

يسألني ضاحكا، هل تخاف من زوجتك " دنيز" اذا "اشتهرت"، لماذا لا تقنعها بالعودة الى تجربتها في غاليري " لانترتان"(L’entretemps) فتجدد مساعدتها في إطلاق الرسامين والنحاتين الشباب.

ويضحك الدكتور ساسين حين يجاملها  في حضوري، فينظراليّ، بطرف عينه...

خسر لبنان فعلا، في غياب فارس ساسين أحد المهووسين بالثقافة المتجددة والعصرية ...

خسر لبنان مبادرا وطنيا وكاتبا ومثقفا وناشرا ومحاضرا... والأهم  خسرنا جميعا هذا الساخر الذي يخلط  ماء الحياة الراقية بنبيذ الأناقة المُبدعة...

خسرنا "زحلاويا" شرب من نبع الأصالة التي شرب منها سعيد عقل وميشال طراد وجوزف صايغ...

خسرتُ مرشدا،وصديقا لا يتردد في أن يهزأ بي، ويسخر... لكنه يقول لي في كل لقاء" ماذا تكتب يا أنطوان..."

رنّة صوته في أذني أبدا...


أحدث مقاطع الفيديو
مشاهدة :402 الأربعاء ٢٢ / يناير / ٢٠٢١
مشاهدة :703 الأربعاء ٢٢ / يونيو / ٢٠٢١
مشاهدة :1394 الأربعاء ٢٢ / أبريل / ٢٠٢١
معرض الصور