بين إرث الحرب العالمية الأولى وتحولات الحاضر، يقف لبنان عند مفترق تاريخي حاد، تتنازعه قوى إقليمية ودولية، فيما تتآكل صيغته الداخلية.
الأربعاء ١٥ أبريل ٢٠٢٦
أنطوان سلامه- يمرّ لبنان في مرحلة مفصلية بالغة الخطورة. ففي ظل مفاوضاته المباشرة مع إسرائيل في واشنطن، يبدو وكأنه ينغرس بين شاقوفين: من جهة إسرائيل في ذروة قوتها وتوحشها، ومن جهة أخرى حزب الله بامتداده الإيراني. ولعلّ أدق توصيف لهذه اللحظة ما كتبه الزميل أنطوان العويط، بأنّ لبنان "لا يعيش خارج التحوّلات بل في صلبها، ولا يتلقّى ارتداداتها فحسب، بل يتشكّل على إيقاعها". يمكن فهم موقع لبنان اليوم عبر العودة إلى لحظة تاريخية مشابهة، هي مرحلة الحرب العالمية الأولى، التي أعقبت مجاعة جبل لبنان، حيث تداخل الحصار مع الانهيار الداخلي، وانتهت بسقوط الدولة العثمانية ودخول قوات الحلفاء إلى المنطقة، ما أدى إلى إعادة تشكيلها بالكامل. في تلك اللحظة، وُلد إعلان دولة لبنان الكبير، وتكرّس الانتداب الفرنسي، ضمن خرائط رسمتها اتفاقية سايكس بيكو، ووعود مثل وعد بلفور، لتنشأ كيانات جديدة على أنقاض الخلافة العثمانية. هذه اللحظة التأسيسية أطلقت أيضًا صعود القومية العربية كردّ فعل على التقسيم والاستعمار، فيما رُسمت حدود دول لم تراعِ تعقيدات البنية الاجتماعية والطائفية، ما زرع بذور نزاعات مستمرة حتى اليوم. انطلاقًا من ذلك، يُطرح سؤال جوهري: هل يمكن مقارنة تداعيات تلك الحرب مع التحولات الجارية اليوم في ظل الصراع الأميركي–الإسرائيلي مع إيران؟ وهل نحن أمام مخاض "فكرة لبنانية" جديدة، تعيد تعريف الكيان ووظيفته في الإقليم؟ سؤال آخر يوازيه: ماذا لو جاءت نتائج هذه المواجهة أقرب إلى تداعيات الحرب العالمية الثانية، التي أدّت إلى نهاية الانتداب الفرنسي وولادة دولة الاستقلال؟ حينها برزت قيادات توافقية مثل بشارة الخوري ورياض الصلح، وتبلور الميثاق الوطني كصيغة توازن طائفي برعاية داخلية وخارجية. لكن الفارق اليوم جوهري. فإذا كانت تلك المرحلة قد شهدت صعود القومية العربية كإطار جامع ولو بوجه عربي للبنان، فإن الواقع الحالي يتّسم بتراجع التيارات العروبية العلمانية، مقابل تنامي "الإسلام السياسي" بشقّيه السني والشيعي، من سوريا إلى إيران، ما ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني. في المقابل، تبدو الولايات المتحدة كالقوة الأكثر تأثيرًا، لكنها تنظر إلى لبنان من زاويتين ضيّقتين: الاستقرار الداخلي وأمن الجبهة الجنوبية بما يخدم إسرائيل. هذا ما عبّر عنه وزير الخارجية ماركو روبيو، بالتوازي مع الموقف الإسرائيلي. وهنا تتكشّف أزمة الكيان: انقسام داخلي حاد، حيث تميل شريحة من السنة نحو تحولات إقليمية سورية تحديداً، فيما يتمسّك حزب الله بخيارات تتجاوز الدولة اللبنانية الى "الجمهورية الاسلامية الايرانية"، في ظل ضياع مسيحي–درزي وغياب مظلّات خارجية واضحة، وانعدام رؤية جامعة لما بعد اتفاق الطائف. لبنان اليوم أمام خطر "التصحّر الفكري" في إنتاج صيغة جديدة. فإمّا أن يعيد ابتكار ذاته انطلاقًا من إرثه كمساحة تعايش حضاري، أو ينزلق أكثر في صراعات المحاور وما تُفرزه من أنظمة ذات طابع اسلامي، من سوريا الى العراق، في لحظة إقليمية تعيد رسم الخرائط على أنقاض النظام الذي نشأ بعد سايكس–بيكو. لبنان لا يمرّ بأزمة سياسية عابرة، بل يعيش لحظة إعادة تأسيس محتملة. والسؤال لم يعد فقط عن توازن القوى، بل عن القدرة على إنتاج "فكرة لبنانية" جديدة، قادرة على الصمود في وجه تحوّلات إقليمية قاعدتها ديني متطرف سياسيّاً... وكما في اسرائيل كذلك في دول الاقليم.
اجتماع مرتقب في وزارة الخارجية الأميركية يطلق مفاوضات لبنانية–إسرائيلية وسط تباين حاد في الأهداف.
من واشنطن إلى العواصم الكبرى، تعود مفاوضات “مستوى السفراء” كأداة مرنة لإدارة النزاعات الحساسة، فهل تفتح الباب أمام اختراقات هادئة في ملفات معقدة كالعلاقة بين لبنان وإسرائيل؟
بين مناورات الخداع الإسرائيلية وارتباك محور الممانعة، تكشف ضربة بيروت خللاً عميقاً في قراءة التحولات الإقليمية وانفصالاً متزايداً بين الميدان ومراكز القرار.
بين تصعيد مضبوط ورسائل نارية، هل تتحوّل الجبهة الجنوبية إلى ورقة تفاوض في مفاوضات إسلام آباد، أم إلى ساحة اشتباك مفتوحة على كل الاحتمالات؟
لم تظهر انتقادات لقبول ايران بالتفاوض في البيئة التي "خونت" رئيسي الجمهورية والحكومة في طرحهما التفاوض مع اسرائيل.
بين تصاعد العمليات العسكرية وتراجع الدور الرسمي، يدخل لبنان مرحلة خطرة وسط غموض يلفّ مآلات المواجهة.
توحي المواقف الأميركية والايرانية تصعيدا في الميدان العسكري سينعكس على الجبهة اللبنانية.
بين فصل الجبهات وتضارب الرسائل الدولية، تبدو الجبهة اللبنانية مفتوحة على حرب طويلة تُدار بمنطق التدمير أكثر من التسوية.
بعد تجربة الترسيم البحري، يدخل لبنان مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد التفاوض خيارًا متاحًا بسهولة، بل نتيجة تُفرض بعد حرب تغيّر موازين القوى.
بيار روفايل من الصحافيين الذين تركوا، في تاريخ الصحافة اللبنانية ، بصمة خاصة جداً.