Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
تراث

وداعًا وديع عوده... حين ترحل الحرفة مع مبدعها

خسرت زوق مكايل الحرفيّ وديع عوده آخر السكافيين المبدعين في السوق العتيق.
وديع عوده
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

أنطوان سلامه- برحيل وديع عوده، لا يغيب اسكافيٌّ من السوق العتيق في الزوق، بل يرحل آخر المبدعين في هذه الحرفة. معه يرحل سرّه في نقلها من تصليح للأحذية إلى إبداع.
اكتنز وديع عوده أسرارًا حرفية نادرة، عرف تاريخ المهنة وتفاصيلها الدقيقة، وكان آخر من أتقن صناعة "الحذاء العربي" و"قطبته" المخفية.
يروي كيف أبدع السكافيون الزوقيون في صناعة هذا النوع من الأحذية. وحين دخل شيخٌ خازنيّ أسواقًا إيطالية وإنكليزية، لفت حذاؤه الجلديّ أنظار أهل الاختصاص، لم تظهر فيه القُطب. أعجبوا بدقة صناعته، وسألوه عن مصدرها، فقال لهم: "اذهبوا إلى سوق الزوق وتعلّموا". ابتكروا منها نسخًا، لتصبح تلك التجربة، كما كان يروي "العم" وديع، واحدةً من المحطات التي عبرت منها صناعة الحذاء إلى عالم الأزياء الرجالية في الغرب.
لم يكن وديع عوده حرفيًا فقط، كان مبدعًا. تعاون مع مصممين ومصممات من لبنان، فنفّذ لهم ما يطلبونه من ابتكارات، يُجيدُ إنتاج "السرموجة" النسائية، زينة "جهاز العروس" في السلطنة العثمانية. فلم يكن جهاز العروس يكتمل إلا بالسرموجة التي تجمع النعل بالمنسوجة المبرقشة على النول، في قطعة من الحرفية والجمال والأناقة.
كان السوق، كما يروي وديع عوده، سوق الحرف بامتياز، من النول إلى الصاغة، والنجارة،والتنجيد، والحدادة، والسكافة. ولكل حرفة أهلها، ولكل دكان أسراره، ولكل حرفيّ خبرته، تنتقل من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل. اندثر هذا العالم بعد حروب وتحولات...
بعد رحيل وديع عوده، يفقد السوق أحد كبار أعمدته الحرفية، وحارس الذاكرة الزوقيّة.
أمضى وديع حياته في مثلث يكاد يلخّص عالمه كله: بيته، ودكانه في السوق، وبرج حمود، يتبادل مع الحرفيين الأرمن تجارب المهنة وعِبَرها، يتابع معهم طرق تطوير السكافة، ووسائل الحفاظ على أسرارها، وقدرتها على الابتكار والتجديد.
يجلس في دكانه صامتًا، مرتديًا وزرته، يعمل بيديه ويصغي طوال النهار إلى إذاعة الـBBC، فيتابع من قلب السوق ما يحدث خلف البحار. كان اسكافيًا مثقفًا، يجمع بين المعرفة الحرفية والانفتاح على العالم.
وكان الكاثوليكيّ المتمسك بإرث مار يوحنا الذهبيّ الفم، يعتز بأنّ القداس الذي لا يزال حيّاً في الكنيسة كتبه هذا القديس.
بإطلالته، وجمال وجهه، وبشاشته، وقامته،وعطاءاته الحرفية، ترك أثراً. يعمل بيديه، يبتكر بعقله، ويتواصل مع العالم من بوابة دكان صغير في سوق عتيق.
معه نخسر قامة علمتنا الكثير عن "المؤاجرة"، وعن التعاون، وعن العيش بهدوء. 
انتمى إلى زمن كانت فيه الحرفة مهنة، ومعرفة، وكرامة، وذاكرة، وعلاقة بالناس.
حتى آخر أيامه بقي يزور السوق ودكانه. 
لن يكون السوق، بعد وديع عوده كما كان قبله.
سقطت زاوية من ذاكرة المكان، وامحى حَرفٌ من الهوية.
برحيل وديع عوده، تنتهي حكاية حرفيّ زوقيّ أصيل، ويُغلق فصلٌ من فصول السكافة في السوق العتيق.
ربما رحلت مع وديع عوده أدوات السكافي التي لازمته طوال حياته: المخرز الذي يثقب الجلد، والإبرة والخيط المشمّع اللذان يصنعان القطبة، والمطرقة التي تثبّت وتسوّي، والكماشة التي تشدّ الجلد، والسكاكين التي تقطعه، والقالب الذي يمنح الحذاء شكله، والسندان الصغير الذي يحتمل ضربات المطرقة. أدوات بسيطة، تتحوّل بين يدي الحرفي الماهر إلى لغة.
تموتُ الحِرف حين يموت آخر من يعرف لغتها.
له الوداع، مع انحناءة تليق بحرفيٍّ عاش عمره بين الإتقان والرهافة، ورأسه مرفوع.
 

آخر الأخبار