Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

خدمة العلم: لماذا لا يحبّها البعض؟


.كشف قائد الجيش العماد رودولف هيكل عن إمكان عودة خدمة العلم قريباً
قائد الجيش
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- لم يكن إعلان قائد الجيش العماد رودولف هيكل عن إمكان إعادة خدمة العلم قريباً تفصيلاً عابراً في مناسبة رياضية. فعلى هامش ماراثون الجيش اللبناني، تحت شعار "سوا مكملين"، قال لـMTV: "إن شاء الله منرجّع خدمة العلم رغم إنو في ناس ما رح تحبّ"، معتبراً أنها تقوّي اللحمة والوحدة بين اللبنانيين.
الفكرة جذابة في بلد يحتاج إلى ما يجمع أبناءه، لكن الطريق من الخدمة العسكرية الإلزامية إلى الوحدة الوطنية ليس قصيراً، ولا مضمون النتائج. فخدمة العلم لا تعمل في فراغ سياسي واجتماعي، ولا تستطيع وحدها معالجة الانقسامات التي تتجاوز المؤسسات العسكرية إلى مفهوم الدولة ووظائفها وصلاحياتها، وصولاً إلى احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم والسيادة.
أول الأسئلة يتعلق بتوقيت هذا الإعلان. فلبنان يمر بمرحلة دقيقة، في ظل المواجهة مع إسرائيل وتداعياتها، ومساعي الدولة إلى حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بمؤسساتها الشرعية. وفي هذا المناخ، قد يستقبل قسم من الأهالي فكرة إعادة أبنائهم إلى الثكنات ببرودة، لا رفضاً بالضرورة لفكرة الانضباط أو الخدمة العامة، بل بسبب المخاوف من مستقبل أمني غير مستقر، ومن طبيعة المهمة التي سيُطلب من هؤلاء الشباب الاستعداد لها.
فهل المطلوب إعداد جيل أكثر انضباطاً وانتماءً إلى الدولة، أم أن إعادة الخدمة تندرج أيضاً في تصور دفاعي لم يُحسم بعد، في بلد لا يزال النقاش فيه قائماً حول العلاقة بين الجيش والشعب والمقاومة؟
ألغى لبنان خدمة العلم بموجب القانون رقم 665 الصادر في 4 شباط 2005، على أن يتم الإلغاء النهائي بعد مرور سنتين على نشر القانون في الجريدة الرسمية. وقبل ذلك، كانت الخدمة إلزامية، وقد خُفّضت مدتها في المرحلة الأخيرة إلى ستة أشهر. وبذلك، فإن العودة المقترحة ليست إنشاء تجربة من الصفر، بل استعادة نظام سبق أن اختبره اللبنانيون، قبل أن يُلغى في سياق سياسي واجتماعي مختلف. (قانون رقم 665، 4 شباط 2005، المنشور على الموقع الرسمي للجيش اللبناني).
ومن هنا، يصبح السؤال الأول موجهاً إلى القيادة العسكرية: هل أُجريت مراجعة شاملة لتجربة خدمة العلم السابقة، بما لها وما عليها، قبل طرح إعادتها؟
لا يكفي استحضار الذكريات الإيجابية عن الصداقات التي نشأت بين شبان من مناطق وطوائف مختلفة، ولا الحديث عن الانضباط واللياقة وتحمل المسؤولية. المطلوب أيضاً مراجعة آليات التطبيق، ومعايير الإعفاء والتأجيل، ومدى المساواة في تطبيق القانون، وما أثارته التجربة من شكاوى ومخاوف بشأن المحسوبيات والوساطات،وأيضاً التوجيهات الوطنية التي لم تكن موحدة.
ليست الدعوة إلى إعادة خدمة العلم جديدة في الدول التي ألغتها أو قلّصتها. ففي فرنسا، عادت فكرة الخدمة الوطنية إلى النقاش في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، وجرى إقرار الخدمة الوطنية الشاملة عام 2018، في محاولة لإحياء روح المشاركة المدنية وتعزيز الروابط بين الشباب والدولة. وفي ألمانيا أيضاً، عاد الجدل حول التجنيد الإلزامي، وسط مخاوف من تراجع التماسك الاجتماعي والحاجة إلى تعزيز الجهوزية الدفاعية.
إذا كانت خدمة العلم تهدف إلى تقوية اللحمة بين اللبنانيين، فإن السؤال لا يقتصر على ما سيتعلمه المجند من انضباط وتدريب عسكري. بل يتعلق أيضاً بما سيتعلمه عن الدولة، وحدود سلطتها، ومعنى المواطنة، ومرجعية القرار الوطني، والسيادة...
ففي لبنان، لا يزال مفهوم الدفاع عن البلاد موضع خلاف سياسي يتجاوز الاختلاف على الوسائل. هناك دولة تعمل على تثبيت حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم في مؤسساتها، وفي المقابل يستمر وجود سلاح خارج سلطتها الكاملة، يستند أصحابه إلى تصور مختلف للأمن والمقاومة وعلاقة لبنان بالصراعات الإقليمية.
في مثل هذا الواقع، ما الرسالة التي ستوجهها خدمة العلم إلى الشباب؟ هل سيكون الجيش المرجعية الوطنية الجامعة التي يلتقي عندها الجميع، أم ستظل العقائد السياسية المتنافسة أقوى من الرسالة التي تريد المؤسسة العسكرية ترسيخها؟
لا يُفترض أن تكون الإجابة مادةً للتعبئة الحزبية، ولا أن تتحول الثكنة إلى ساحة لإعادة إنتاج الخلافات. لكن لا يمكن أيضاً تجاهل أن الوحدة التي يتحدث عنها قائد الجيش تحتاج إلى أرضية سياسية وقانونية مشتركة. فالمواطن الذي يؤدي خدمته تحت راية الدولة يجب أن يعرف أن هذه الدولة هي المرجعية النهائية في الدفاع عن البلاد، وأن قرار الحرب والسلم لا يتوزع بين مؤسسات وقوى متنافسة.
وإلا، فإن الخدمة قد تنجح في جمع الشباب جسدياً، من دون أن توحد تصورهم لوطنهم ومؤسساته.
تستحق  إعادة خدمة العلم نقاشاً جدياً، لا رفضاً مسبقاً ولا حماسةً تتجاوز الأسئلة الصعبة. وهي قد تصبح فرصة لتقوية الصلة بين الشباب والجيش، شرط أن تستند إلى مراجعة صريحة للتجربة السابقة، وإلى ضمان المساواة والشفافية، وإلى عقيدة وطنية واضحة لا تترك المجندين أمام رسائل متناقضة بشأن الدولة والسلاح والسيادة.

قال قائد الجيش: «إن شاء الله منرجّع خدمة العلم رغم إنو في ناس ما رح تحبّ». لكن ألا يستحقّ هؤلاء الذين قد لا يحبّون العودة أن نعرف لماذا لا يحبّونها؟ 

 

آخر الأخبار