الرصاص الطائش ومن يفصل بين القاتل والقتيل؟

الثلاثاء 10 تشرين ثاني 2020

الرصاص الطائش ومن يفصل بين القاتل والقتيل؟

 ميريام الجلخ- (تحقيق استقصائي) لا تزال عادة اطلاق النار في المناسبات تسبّب القتلى والجرحى بسبب الرصاص الطائش.

لم يتمالك المصوّر الصحافي-الرياضي فادي مرق نفسه عند رواية قصة اللاعب اللبناني محمد عطوي الذي كان ضحية جديدة لمسلسل الرصاص الطائش المتفشي في زوايا المجتمع اللبناني منذ سنوات.
وقال والدمعة في عينيه " معرفتي بمحمد بدأت في الملعب حيث عرفته من 7 سنوات  مع نادي الأنصار الرياضي (فريق كرة القدم)
.
استطاع محمد ان يجمع محبة كل رفاقه بمعزل عن انتمائاتهم السيايسة والدينية والطائفية.
ليجتمع بحب حياته، قرر محمد ان يُنشئ مدرسة لتعليم الأطفال الصغار لعبة كرة القدم حتى يجني المال الكافي التي تمكّنه من تحضير لحفل زفاف وتأسيس عائلة لان راتب لاعب كرة القدم في لبنان لم يكن يكفي.
أصيب عطوي، في 22 آب ٢٠٢٠، في منطقة الكولا، بيروت (الواقعة بين وطى المصيطبة غرباً والطريق الجديدة شرقاً)، برصاصة طائشة استقرّت في رأسه وبقي في غيبوبته إلى صباح يوم 18 ايلول ٢٠٢٠ في مستشفى المقاصد، حيث فارق الحياة عن عمر 32 عاماً
.
طوال هذه الفترة رفض أهل محمد وخطيبته ان يتعايشوا مع الواقع وتمسكوا بكل بريق امل موجود قائلين: "نبضة واحدة من قلب محمد كانت حياة كاملة"
وبعد ان طالب أهل الضحية سحب الرصاصة لإجراء التحقيقات اللازمة لمعرفة جهة ومصدر الرصاصة او حتى سببهاـ قبل الطبيب الشرعي وسحب الرصاصة التي اودت بحياة محمد."

ليس محمد وحده ضحية السلاح غير الشرعي والفلتان الأمني والسياسي في بلدٍ كثرت فيه الأحزاب والميليشيات وتنوعت فيه الطوائف والأديان وتغلغلت فيه الأطراف السياسية التي تحمي بعض الجماعات المسلّحة التي ربما قد تكون سببًا من اسباب تكاثر هذه الظاهرة في لبنان.

ليس محمد وحده ضحية هذه الآفة
سعاد كانت تنثر الأرز من شرفتها على موكب العرس الذي كان يمر من تحت الشرفة، فاخترقت رصاصة “ابتهاج” رأسها في الشوف.

حسين كان يجلس على الشرفة ليدرس، فأتى والده ليجده مضرجاً بدمائه بعدما اخترقت رصاصة "تشييع" رأسه في طريق الجديدة.

 أصيب الشاب علي رايب برصاصة طائشة في يده في بلدة «عين بورضاي» البقاعية، أثناء ترجله من سيّارته، في اللحظة التي كان يتم فيها تشييع أحد عناصر حزب الله

ناديا لا تزال حتى اليوم على الكرسيّ المتحرّك في منطقة بكفيا بسبب رصاصة اخترقت صدرها حين تم اعلان نتائج انتخابات رئاسة الجمهورية عام  1982 بفوز بشير الجميل رئيسا للجمهورية اللبنانية وآخر ما زال يصارع جراحه في المشفى، بعد أن مزّق صدره رصاص احتفال بفوز في انتخابات البلدية....
هذه عينة من قصص الموت العشوائي في لبنان التي لا تغيب من نشرات الأخبار وعناوين الصحف وتخرق ذاكرتنا وحياتنا اليومية. ويبقى السوال الأهم: لماذا يقتل الرصاص الطائش اللبنانيين الأبرياء في مناسباتهم المتنوعة ؟

تعريف "الرصاصة الطائشة"
في المفهوم العلمي، الرصاصة الطائشة هي الرصاصة التي أُطلقت من سلاحٍ بلا قصد أو بهدف معيّن بطريقة عامودية في الهواء. أمّا في علم الفيزياء، فهي تعني الرصاصة الفارغة من حشوتها، والتي تعود ويهبط غلافها النحاسي تحديداً  على الأرض في غضون 31 ثانية إذا أُطلِقت من بندقيَّة عموديّاً نحو الأعلى ستصل إلى ارتفاع 9000 قدم (2743.2 متراً). ومن الصعب التنبّؤ المكان الذي يمكن أن تصل إليه الرصاصة، لكن، من المعلوم أنّها في رحلة هبوطها إلى الأرض، تزيد سرعتها، كون هذه السرعة ناتجة عن حركة التدفّق الحرّة
chute libre).  (mouvement de

يعرف اللبنانيون خطورة ونتائج استخدام الرصاص الطائش ولكنهم يصرون على اللجوء لهذه الوسيلة في الأفراح والأطراح.

فرضيات ظاهرة "الرصاص الطائش"

-عادات وتقاليد متوارثة عبر الأجيال
 "السلاح زينة الرجال" ،عبارة الإمام الصدر التي سرعان ما شهدناها تتحول الى كل ميدان الحياة، حتى بات لا يُعرف الإنسان إلا من خلال فكرة حمل السلاح وفرض القوة واصبح بعيدا كل البعد عن أي عقلٍ وفكرٍ وعلم وتطورٍ  ورقيّ  وما شابه ذلك، فأصبح المرء في مجتمعنا بظل الصراع المذهبي او السياسي يسعى لمنطق السلاح بهدف تهديد الآخر او حتى الغائه.

ورث اللبنانيون هذه العادات والتقاليد منذ مئات السنين وتناقلتها الأجيال لتصبح عنصرا اساسيا في المفهوم الثقافي والسلوك الاجتماعي للناس خصوصا فيما يتعلق بإطلاق النار العشوائي في مختلف المناسبات السعيدة والحزينة.

-الإفلات من العقاب
اعتاد اللبنانيون لسبب أو لآخر أن يطلقوا الرصاص في الهواء، لأن السلاح الحربي منتشر منذ القدم، وزاد بعد الحروب التي مر بها هذا البلد، خصوصا بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990 وتركّز السلاح بيد المجموعات المحميّة والميليشيات المسلّحة.
سرعان ما تحوّلت هذه الظاهرة الى وسيلة من وسائل التعبير فضلا عن التفكير غير السليم الذي يحث على اقتناء السلاح واستخدام الرصاص الحيّ لحل المشاكل وفك النزاعات او الدفاع عن النفس.
و بظل حالة الهلع والقلق التي يعيشها اللبنانيون من هذه الظاهرة  إلّا انه لم تأخذ بشأنها السلطات إجراءات جذرية تقي المواطنين من الموت الطائش بدون اي حسيب او رقيب. فلا دولة تسأل، تحاسب او تدقق ولا يُصار الى توقيف متهمين يُطبّق عليهم القانون او تُنَفّذ الضوابط الأمنية الشرعيّة خصوصا بعد الخطابات السياسية مثلا مشهد الرصاص الطائش الذي نشهده في الضاحية الجنوبية، بيروت بعد كلمة لأمين عام حزب الله حسن نصرالله او في الطريق الجديدة،بيروت بعد مؤتمر لرئيس تيار المستقبل سعد الحريري

تتعدد الأسباب، يتنوع الفاعل لكن النتيجة واحدة: ضحية بريئة برصاصة طائشة تزداد امّا على قائمة الجرحى او تنضم الى قافلة القتلى.
"الموت بالرصاص الطائش": نتائج و احصائيات

لم تثمر كل حملات التوعية من قِبَل قوى الأمن والنداءات التي وجهتها المراجع الدينية والسياسية خلال السنوات الماضية، في وضع حد لهذه الظاهرة.
وبحسب إحصاءات غير رسمية، سقط في العقد الأخير 70 ضحية و143 جريحاً نتيجة الرصاص الطائش والعشوائي. أي أنّه على الأقل 7 ضحايا و14 جريحاً سنوياً. تبقى هذه أرقام غير رسمية، إذ لا إحصاءات حول هؤلاء الضحايا، كما هي حال معظم الملفات الأخرى، متروكة مهمة إحصائهم للجمعيات.
الشق القانوني

اصبح اللعب بالموت الطائش جريمة موصوفة. إذْ يصبح القتل متعمَّداً، وليس عشوائياً كونه يستهدف الأبرياء فقط، ولأنّ مَن يُطلِق الرصاص في الهواء يعرف أنّه يقتل أرواحاً، في المقلب الآخر. اذا، هو مجرمٌ مستتر، مع وقف التنفيذ. ولا إمكانيَّة للتعامل مع هذا المجرم المريض إلاّ بإنزال أشدّ العقوبات عليه.

"كلّ مُطلِق للنيران، يعرف أنّه القاتل المفترض والافتراضي لضحيَّةٍ ما، متى أُعلِنت هويتها. فعندما تتوقّع القوى الأمنيَّة مصدر الرصاص الذي سقطت جرّاءه الضحيّة، وتحدِّد هذه المنطقة أو تلك، يمكن للمجرم المستتر أن يعرف أنّه مجرم مفترض! لأنّه يعرف أين كان يُفرِّغ سلاحه. لكن حتى لو عرِف، فالأكيد أنّه لا يشعر بشيء"

العقوبات

بالرغم من وجود قانون واضح لكن تستمر هذه العادة على التفاقم والتزايد في مجتمعنا يوما بعد يوم. لذا يجري في ظل القانون الرقم 71/2016 الذي يجرم إطلاق عيارات نارية في الهواء، ويعاقب بالسجن من 6 أشهر إلى 3 سنوات، وتصل العقوبة إلى الأشغال الشاقة لمدة 10 سنوات ولا تتجاوز 15 سنة وبغرامة من 20 إلى 25 ضعف الحد الأدنى للأجور في حال أدى إطلاق النار إلى الموت.
ان القانون يتم تعديله بيوم، ولكننا نحتاج الى سنوات لتغيير الذهنية والثقافات الموروثة حول استخدام السلاح ويجري الحديث عن اقتراح لتحديث القانون وتشديد العقاب: تشديد عقوبة السجن حتى 20 عاما ورفع قيمة الغرامة حتى 12500 دولار، وبإنزال العقوبتين معا بحق كل من يطلق الرصاص.

الضحية المقبلة؟
 من ستكون ضحية الرصاصة القادمة في لبنان ؟ اين سيكون ؟ في البيت ؟ على الشرفة ؟ في السيارة ؟ يمشي في الشارع؟
وما هي المناسبة ؟  عرس؟ مراسم دفن ؟ خطاب سياسي؟ ولادة طفل؟ نجاح مدرسيّ؟ حفلة عشاء ضخمة؟ مشكل عائلي عشائري؟ تعبير عن الرأي؟
طبعًا يبقى الرهان علينا نحن الشبان والشابات الذين نخاف تلك الظاهرة ونعمل مع الجمعيات والمؤسسات لمحاربة ذلك الإرهاب الجاهل
 من هنا اتت النداءات الرسميّة والقوانين بإيقافها أو الحد منها، حتى الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي التي كان آخرها #بتقبل_تقتل.

معًا ضد ارهاب الجهل
يحصد الموت المجّاني الغدّار الأبرياء في لبنان. يسقطون في الشوارع أو داخل بيوتهم، واحداً تلو الآخر، من مختلف الأعمار والأجناس والجنسيّات. يحصدهم الرصاص الطائش في ظل شعور اللا دولة واللا قانون واللا نظام واللا محاسبة.
من هنا علينا الوعي والتأني والإلتزام بإرشادات قوى الأمن والجمعيات والمؤسسات التي تعمل على الحد من إطلاق النار العشوائي وتعديل المفهوم الثقافي والسلوك الاجتماعي للناس
.