Lebanon News I ليبانون تابلويد : أخبار الساعة من لبنان والعالم!


كتاب هنري زغيب عن جبران خليل جبران: الهامش الذي يغلب

أنطوان سلامه- في كتابه الجديد عن جبران خليل جبران، يتقدّم هنري زغيب ، محللا في " النقد المقارن" لفرز الواقعي عن المتخيّل. alt="كتاب هنري زغيب عن جبران خليل جبران: الهامش الذي يغلب"

الثلاثاء ٢٠ أبريل ٢٠٢١



اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة
اضغط هنا

أنطوان سلامه- في كتابه الجديد عن جبران خليل جبران، يتقدّم هنري زغيب ، الشاعر والباحث والناثر والمترجم ومكوّن السيرة، في العالم الجبراني، محللا في " النقد المقارن" كمدخل منهجيّ حديث لفرز الواقعي عن المتخيّل.

الكتاب(منشورات «مركز التراث اللبناني» في «الجامعة اللبنانية الأميركية». 600 صفحة) الأنيق شكلا، وتبويبا، وتوثيقا، يشرّح السيرة الجبرانية ويشرحها، انطلاقا من "نص الراوية" بربارة يونغ.

يترجم بأمانة، نصها المكتوب بالانكليزية الى العربية، لكنّه يفصل بين الترجمة، أي الالتزام بالنص ومعانيه ومراميه، وبين الشك في هذا النص ومضمونه الذي يُخضعه للتمحيص، فيصفّيه، ويُزيل منه كلّ ما خالطه من شوائب العاطفة والتقديس ،حتى باتت الهوامش في ترجمته لكتاب بربارة يونغ عن جبران، بأهمية النص المُترجَم.

لماذا؟

١-يونغ التي وضعت باللغة الانكليزية كتابها الاستعادي ليوميات جبران ، بعنوان "رجل من لبنان"، ترسم له صورة في عيشه، كما عرفته، وما كان يقوله لها من روايات طفولة وبيئة عائلية ومنشأ، وأراء وخواطر ومقاربات، وفي ما كتبته يختلط الذاتي مع الموضوعي .

في ترجمة زغيب لنص يونغ، تتسّع العلاقة بين المترجِم والمترجَم، لتتمدّد، في دوائر الشك.

الشك مفتاح تحليل السيرة، أو تفكيك "شيفرة" النص، هذه هي القاعدة التي التزم بها زغيب حين فصل كليا، بين النص المُترجَم الذي تركه حرا، مستقلا، في الصفحة اليسرى من الكتاب، وخصّص الصفحة اليمنى من الكتاب، لاجتهاداته، لوثائقه، لإضاءاته العقلانية، صبّها كلّها في هوامش.

هذا التبويب أساسٌ في منهجية الكتاب حيث يتقاطع الشكل مع المضمون، في إيصال الرسالة البحثية المُواكبة للترجمة الأمينة، فجاءت هوامشه المُشكّكة، في الصفحة التي تقابل الصفحة المُترجَمة، لتخرج عن المألوف، في طبع الهوامش في أسفل الصفحة.

عزل زغيب الصفحة المُترجَمة عن شكّه في ما تتضمنه من شطحات عاطفية، ومن التباسات، ومن غموض احتاج الى توضيح ليكتمل عقد الكتاب البحثي بين ترجمة وبين تدقيق يرمي دوما الى سلخ الواقعي عن الأسطوري في السرد الأصلي بالانكليزية.

غلّو يونغ في ملامسة شخصية جبران واضح في سردها.

استعراض جبران  أمام "يونغ" كصديقة أو حبيبة، أو مثال، طبيعيٌّ في علاقة حميمة تجمع أيّ رجل مع أيّ امرأة،  كتصرّف بشريّ، أدركه زغيب، ففصل بشكّه بين مرتجى يونغ وواقع جبران، ولا يتمّ الفصل الا في الهوامش التي تغذي النصّ المُترجَم بنصّ آخر يواكب الأصلي، يجاوره تصويبا يستقيم في "المقارنة".

في هذه اللعبة الشكلية، وفي هذه المنهجية الكتابية، يظهر هنري زغيب، عارفا بجبران، وملّما بما كُتب عنه من دراسات وأبحاث وشهادات حيّة، فيقارن، ويدقّق، ويضيء.

يغلب هنري- الباحث، هنري - المُترجِم في هذا الشق الواسع من الكتاب، من دون أن تفقد الترجمة، حِرفيتها، وصياغتها المرجوة، ودقتها في النقل، بأسلوب واضح، جذاب ومشوّق.

حتى لو لم يكن القارئ جبرانيّ الهوى، الا أنّ أسلوب الترجمة، في الجمل القصيرة، والمقطوفة، والمعقودة على نبض، تجذب، أيّ قارئ، في  أي مكان وزمان،  ليواكب قصة "أديب ورسام" في مسكنه- الصومعة، حيث يعيش برفقة امرأة.

لذلك يُقرأ كتاب زغيب، في ترجمة ما كتبته يونغ، وفي هوامشه وتعليقاته، في صفحتين متقابلتين، ومتلازمتين، ومتضاربتين، في تأرجح جميل بين شك ويقين، وهذا ما قصده بإمعان هنري زغيب.

في المحصلة الأولى:

لا ينحاز هنري، في صفحة هوامشه الى يونغ.

صدق في ترجمتها، ونأى بنفسه في هوامشه، لها صفحتها، وله صفحته، ابتعد من المعطى المُترجَم، ومن الكاتبة التي لها أهدافها، وشطحاتها العاطفية والوجدانية، وانغمس في التدقيق والتفسير الأكاديمي .

لم يقع في المصيدة التي ربما تشارك جبران ويونغ في نصبها، فلم يُصطد، قوته في ثلاثية الشك، والمعرفة، والعقلانية.

٢-كتاب هنري زغيب عن جبران خليل جبران، أو هذا المجلد يتخطى الخمسمئة صفحة، يكتنز بالتوثيق ملوّنا في صوره ومطبوعاته وصحافته، ينبسط مؤلفه في سرد مزدوج الأسلوب.

في الترجمة، شاعرية تهطل كشتوة ناعمة بالمعاني من دون ضبابية غامضة.

تكشف هذه الشاعرية، نضجا في الترجمة، ويتحكّم بالمفردات التي تنساب من دون شطط، أو غلبة المبنى على المعنى.

وفي الهوامش المهمة، رصانة في لغة الباحث، تفسيرا يساعد قارئ "الوثيقة- الشهادة" المُترجَمة، على فهم زمانها ومكانها، في إضاءات على عصر جبران، صحافة، وحركة فنية وأدبية، والأهم ما تضفيه الهوامش على الكتاب، من رصانة علمية.

في شاعرية الترجمة مثلا:"منذ طفولة جبران كان لديه شغف بالعواصف. وكم قال لي أنّ كلّما هبّت عاصفة، كان فيه ما يتفلّت ، يتحرر، ينطلق بكل عظمة"(ص٣٥).

أو:" أخبرني يوما، عن مطر عاصف راح ينهمر ذات صباح وسمعه يناديه. باسمه يناديه..."(ص٤١).

أو "ما الدين؟ أنا لا أعرف الا معنى الحياة. وهي تعني الحقل والكرم والنول. الكنيسة في داخلكم، وكلّ منكم كاهنها".

ولتأكيد هذه العبارة المُترجمة، يوازيها هامشا، فيذكر "معنى شبيها في فصل الدين من(كتاب) النبي" وينشرها حرفيا بين مزدوجين(ص ٨٠-٨١).

هذه الازدواجية في الأسلوب، بين جماليات في الترجمة، وبين رصانة في الهوامش، تجعل من كتاب هنري زغيب، أبعد من ترجمة حرفية وعابرة، لتشمل "التأريخ" لأزمنة أميركية ولبنانية عاش في ظلالها جبران خليل جبران.

في هذا التأريخ أسلوب موسوعي، أو قاموسي على الطريقة الغربية بما يذكّر بتكثيف الشروح في قاموس "لاروس" المشهور عند الفرانكوفونيين.

ويعلّق زغيب  في هوامشه، على مزايا في شخصية جبران، كاهتمامه بالتفاصيل، مقدما دليلا على استنتاجه، في رسائل جبران الى الناشر إميل جرجي زيدان (الهلال- القاهرة) وألفرد كنوف (نيويورك)"عند ارساله المخطوطة اليهما"(ص ١٠٨).

ويحدد زغيب الأمكنة، في هوامشه المفيدة ،فيؤرخ الفنادق والمسارح وصالات العرض في الولايات المتحدة الأميركية التي ارتبطت بانغماس جبران في المدى الثقافي الأميركي.

ويذهب في دقته الى حدّ صياغة سيرته الإبداعية. يسترجع أول معرض لجبران في محترف " مبنى هاركورت- شارع إرقنغتون- بوسطن ، بين الجمعة ٣٠ نيسان والاثنين ١٠ أيار ١٩٠٤..."الى ما هنالك من عينات عن هوامش غلّبت على متن الكتاب من دون أن تسرق النور من ترجمته.

في الهامش مثلا: "مساء الأربعاء ٢٦نيسان ١٩١١ أبحر جبران ، على متن باخرة الخطوط البحرية جوي ، من بوسطن الى اقامته الدائمة في نيويورك...."

في المحصلة الثانية:

أمثلة كثيرة عن التوضيح الذي يرافق المُترجَم، تذكّرُ باجتهادات في  تفسير "آيات" الكتب الدينية في الهوامش...

٣- السؤال، هل تفيد ترجمة "هذا الرجل من لبنان" لباربرة يونغ.

في إجابة سريعة: نعم.

في ما كتبته يونغ عن جبران إضاءات حميمة عن خفايا تصرفاته ومزاجه، ودوافع انتاجه، ومساره، مثلا: "مسيرة كتاب "النبي"منذ ولادتها، كانت في رأيّ فريدة: حمله جبران معه من بيروت الى باريس فإلى بوسطن حين استدعي، وهو في العشرين ، الى سرير أمه، وقرأ لها ما كتبه، عن المصطفى الشاب. لكنها، بالحكمة التي تعالج بها فتاها كما عالجته في طفولته، قالت له:" جيد عملُك يا جبران، لكن وقته لم يَحِن بعد،. دعه جانبا. وأطاع. وهنا التفت اليَّ:" كانت تعرفني أكثر مني في تلك السن اليافعة"(ص١٠٥).

لا يقيّم هنري، في هامشه، هذه الرواية، لا يدخل في دهاليز العلاقة بين جبران ووالدته، لكنّه لا يترك هذا المقطع المهم في سيرة جبران المنقولة، يمرّ سهوا، توقف عنده، بمنظار المؤرخ والموثّق أو الناقد الأدبي، فأعاد في الهامش بناء السيرة تصويبا.

كتب زغيب:" هذه العبارة قد تكون من جبران لا من أمه. فالنحات خليل جبران، وهو الأقرب اليه نسَبا وسيرة، ذكَرَ في كتابه "جبران، حياته وعالمه" (الفصل الأول فقراء من بشري)أنّ " كاملة كانت فقيرة التعلّم إنما قديرة التدبير". وهذا "الفقر في التعلّم" انسحب على ابنتيها مريانا وسلطانة اللتين كانتا كذلك أميتين تجهلان القراءة العربية (والإنكليزية طبعا".....)-(ص ١٠٤)

نستشهد بهذا التوازي بين الترجمة والهامش، لنشير الى أنّ زغيب يعيد انتاج سيرة جبرانية.

ينطلق من "حالة خاصة" هي كتابات يونغ، ليقارب "حالة عامة" هي جبران، وهذه المنهجية تعتمدها سيناريوهات الأفلام التوثيقية التي تتناول السير.

ففي هذه المنهجية، لا تنفصل السيرة الشخصية عن البيئتين العائلية الضيقة، والبيئة الزمنية الواسعة.

في هذا المسار، لا يترك زغيب أيّ شاردة من دون تعليق، وتبدو تعليقاته أكثر أهمية حين يواكب يونغ في حديثها عن جبران- الرسام، فترتفع هوامشه الى مستوى تأريخ  الحركة التشكيلية في الولايات المتحدة الأميركية التي شارك فيها جبران خليل جبران، بعد عودته من باريس، كرسام له مكانته، وهو في منصة النقد، تتناوله الأقلام الأميركية المشهورة والمعروفة كأليس إكشتاين التي يختصر زغيب سيرتها في أسطر، كما في قاموس، ويتوغل في تأريخ أهم صالات العرض في نيويورك وغيرها من الأماكن الأميركية التي تفاعل فيها جبران- الفنان.

وفي المجالات كافة التي تطرقت اليها يونغ، يتصدّر الشك في مقاربة زغيب لما ترويه، لهذا السبب تمادى في التدقيق، معتبرا أنّ يونغ "وضعت كتابها سنة ١٩٤٤، أي بعد ١٣ سنة على غياب جبران . وقد تكون ذاكرتها ابتعدت عن الحدث..."(ص١٤٤).

وفي تدقيقه تأريخ ذات صدقية، وشفافية، يعتمد الصراحة حين يدعو القارئ، مثلا، الى المقارنة بين ترجمته لنص لجبران كان بالانكليزية ثم  نشره جبران  بالعربية في "السائح"(ص١٤٠) وهذا دليل استيعاب لجبران بكليّة عطاءاته.

وفي هذا الاتجاه يصبّ نشر رسائل جبران الى عارفيه، مثلا، رسالته الى الأرشمندريت أنطونيوس بشير الذي كان يعرّب مؤلفات جبران الإنكليزية، فيحدّد  في الهامش مثلا:" مطلع رسالة الى الأرشمندريت أنطونيوس بشير من جبران على ورقة من عنوانه في نيويورك. لكنّه كتبها من بوسطن مع عنوانه فيها(٦٧شارع تايلر)يدعوه فيها، بكل لطف، الى زيارته ل "النظر في ترجمة يسوع ابن الانسان " التي كان الأرشمندريت أنجزها حديثا"(ص ١٥٠).

في المحصلة الثالثة:

لو فُصلت الهوامش في كتاب مستقل، لصدر كتاب عن جبران خليل جبران يُعاد فيه بناء سيرته، موثقة، في زواياها كافة، الإنسانية والفنية والأدبية والروحية، وفي العلاقات التي نسجها جبران في الوسطين الأميركي والاغترابي، وفي علاقته ببشري، وبيروت،وباريس وعواصم ومدن أخرى، بارتباطاته مع شخصيات في عائلته، في صداقاته، في معارفه، وفي العامة...

هذه الأمكنة التي مرّ فيها جبران، وهذه الاهتمامات الإبداعية التي غاص فيها، يُظهرها زغيب واضحة المعالم في هوامشه، حتى اذا تعثّر نص يونغ، دعمها بلغة قاموسية، تجعل من جبران خليل جبران، حيّا، في الأمكنة التي عاش فيها، تماما كما أرادت يونغ في كتابتها عن جبران، وهكذا احترم زغيب ارادتها، ونصّها الذي اشتغل عليه ترجمة ومواكبة في دفق معلومات تتعلق بما تكتبه.

هنا يكمن غنى الكتاب الصادر حديثا عن جبران، وهنا يتفرّد، في أنّه حقّق "مخطوطة" وكأنّ هنري زغيب "الأكاديمي" والمحاضر في جامعات وطنية وغربية، يعي معنى المنصة التي ينطلق منها كتابه، وهي الجامعة اللبنانية الأميركية العريقة في التعليم العالي.

٤- في الانتقال من فصول الترجمة وهوامشها الى رحاب أخرى .

فبعد انتهاء القسم الأول من الكتاب بفهرس الأسماء تتويجا ل ٢٩٤ صفحة في عرض الترجمة وحواشيها القيمة، يبرز القسم الثاني، في استمرار نمط الثنائية بين الترجمة والتصويب.

يعرض زغيب "نصوصا متفرقة أخرى لباربارة يونغ عن جبران لم ترد في كتابها".

يغتني القسم الثاني بنصوصه المجهولة، أو غير الشائعة، وبوثائقه أيضا.

تبدو يونغ في هذا القسم هي المحور في ظل جبران بعد غيابه.

تعود الهوامش  الى البروز ولكن في أسفل الصفحة.

مزيدٌ من المعلومات عن جبران تنهمر في الكتاب، لكنّ الفصل السابع من هذا القسم، يجذب بما فيه من سرديات عن "زيارة يونغ في لبنان" والى بشري حيث مطلع جبران في الحياة، وتأثيرها في مخيلته الابداعية.

وتتجمّع في الكتاب نهايات جبران على كوكبنا، من صحف وأقلام ومناسبات، وصور نادرة ووثائق.

في المحصّلة النهائية:

كتاب هنري زغيب، وكما قاربته، كقارئ، لا كأخصائي في الأدب الجبراني، ممتع في كثافة مادته البصرية والمقروءة.

كتاب فيه جهد استثنائي، في الجمع والترجمة والتوضيح والتقميش، والمتابعة المضنية لجبران في ترحاله في الأمكنة والتعابير بأشكالها المتعددة.

والسؤال، هل نجح هنري زغيب في إعادة رسم جبران في صورته  من خلال جمع ظلاله؟

من يقيّم كتابات زغيب في إعادة بناء سير مبدعين، من الأخوين الرحباني الى سعيد عقل مرورا بالياس أبوشبكة ونزار قباني، يلاحظ أنّ كتابات كثيرة، في الصحافة وفي النشر، ارتكزت على ما كتبه، كمراجع ثابتة وصادقة ودقيقة وحيّة.

ولعل في هذا ما يقيّم هنري زغيب – المرجع في كتاباته عن كبار من لبنان.

وستبقى مراجعه في المكتبات الجامعية، والعامة والخاصة، طالما هناك اهتمامٌ بمن كتب عنهم.

ومن كتب عنهم لا يموتون....

 

                  


أحدث مقاطع الفيديو
مشاهدة :76 الأربعاء ٢٣ / يناير / ٢٠٢١
مشاهدة :411 الأربعاء ٢٣ / يونيو / ٢٠٢١
مشاهدة :764 الأربعاء ٢٣ / أبريل / ٢٠٢١
معرض الصور