ترامب يفتح الأجواء للبنان فهل يرسم حدود الحرب؟
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- لا يُقرأ قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع القيود الرئاسية على النقل الجوي بين الولايات المتحدة ولبنان بوصفه إجراءً تقنياً فحسب، ولا يصحّ في المقابل اعتباره إعلاناً سياسياً عن تحييد لبنان من الحرب. لكن توقيته يتيح وضعه في سياق أوسع، يتصل بمستقبل المواجهة الإسرائيلية، وبالمساحة التي تريد واشنطن إبقاءها مفتوحة أمام الدولة اللبنانية ومؤسساتها وعلاقاتها الخارجية.
ففي قرار وقّعه ترامب في 30 أيلول ونُشر في السجل الفدرالي في 5 تشرين الأول، ألغت الإدارة الأميركية أربعة قرارات رئاسية تعود إلى أعوام 1985 و1992 و1998 و2007، كانت تشكّل أساس القيود المفروضة على النقل الجوي مع لبنان. ويمهّد القرار لاستئناف الرحلات المباشرة، من دون أن يعني أن تشغيلها بات فورياً، إذ لا تزال هناك متطلبات أمنية وتشغيلية ينبغي استكمالها. وقد رحّب رئيس الجمهورية جوزاف عون بالخطوة، معتبراً أنها تعكس الثقة بإجراءات الدولة اللبنانية لضمان سلامة الطيران المدني، فيما شكرت السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة ترامب على قراره.
لكن الدلالة السياسية تتجاوز حركة الطيران. فالولايات المتحدة التي تفتح نافذة للتواصل مع لبنان لا تزال تصنّفه بلداً شديد الخطورة على مواطنيها، فيما تستمر إسرائيل في عملياتها العسكرية في الجنوب، وتعمل على تثبيت وقائع ميدانية تتجاوز أحياناً الحدود التي تعلنها مناطق لسيطرتها الأمنية. هنا يبرز السؤال، هل تريد واشنطن إبقاء أبواب لبنان مفتوحة، فيما تسعى إسرائيل إلى إعادة رسم جغرافية الجنوب وشروط العودة إليه؟
من الخط الأصفر إلى لبنانين؟
تتبلور في الجنوب معادلة ميدانية لا يمكن فصلها عن المسار السياسي، فإسرائيل تدفع نحو إقامة نطاق أمني داخل الأراضي اللبنانية، وتواصل تدمير منازل وبنى تحتية في قرى تقع على امتداد ما يُسمّى "الخط الأصفر"، وسط مخاوف من أن يتحوّل هذا الخط إلى حدود فعلية لمنطقة عازلة طويلة الأمد. وقد تناولت تقارير صحافية إسرائيلية ولبنانية هذا الاتجاه، بما فيه الحديث عن خطوط إضافية ومناطق يُمنع السكان من العودة إليها.
في المقابل، لا تبدو بيروت، بما تمثّله من مركز سياسي واقتصادي وإداري، في الموقع نفسه الذي يحتله الجنوب الحدودي في الحسابات العسكرية الإسرائيلية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى مناطق لبنانية أخرى بعيدة عن خط المواجهة المباشر. لكن هذا التفاوت في مستوى التعرض للخطر لا يكفي وحده لإثبات وجود تفاهم أميركي ـ إسرائيلي يقضي بتحييد العاصمة أو سائر المناطق، إذ يحتاج مثل هذا الاستنتاج إلى معطيات مباشرة.
مع ذلك، فإن الفصل بين مسارين بات أمراً يستحق المتابعة، مسار عسكري يتركّز على الجنوب، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض وقائع أمنية وجغرافية جديدة، ومسار سياسي واقتصادي يحاول إبقاء مؤسسات الدولة اللبنانية وشرايين التواصل مع الخارج قيد العمل. وقرار الطيران الأميركي يندرج في المسار الثاني، من دون أن يضمن عدم امتداد الحرب إلى مناطق أخرى.
واشنطن بين دعم الدولة وإدارة المخاطر
لا تنفصل الخطوة الأميركية عن اللقاءات التي سبقتها. فقد جاء القرار بعد لقاء ترامب وعون في البيت الأبيض في 21 تموز، ثم اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة نواف سلام بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في 28 أيلول، وفق ما أعلنته السفارة اللبنانية في واشنطن. وهذا التسلسل يضع القرار في إطار اتصالات سياسية مستمرة، لا في إطار مبادرة تقنية معزولة.
غير أن دعم الدولة اللبنانية لا يعني بالضرورة أن واشنطن تتبنى جميع أولوياتها، أو أنها مستعدة لفرض انسحاب إسرائيلي شامل من الأراضي اللبنانية. فالموقف الأميركي من الملف الأمني يرتبط أيضاً بمطلب معالجة سلاح حزب الله، وبمحاولة تثبيت ترتيبات ميدانية تسمح للجيش اللبناني بتوسيع انتشاره وممارسة سلطته. وقد أظهرت المفاوضات والاتصالات السابقة تبايناً بين الرؤية اللبنانية التي تربط الإجراءات الأمنية بالانسحاب الإسرائيلي واحترام السيادة، والموقف الإسرائيلي الذي يربط الانسحاب بشروط أمنية تتصل بحزب الله.
من هنا، قد يكون رفع القيود الجوية جزءاً من تشجيع الدولة اللبنانية على تثبيت حضورها واستعادة ثقة الخارج، لكنه لا يقدّم جواباً عن السؤال الأصعب، هل ستستخدم واشنطن نفوذها لمنع تحويل المنطقة العازلة إلى واقع دائم، أم ستكتفي بإدارة التوازن بين استمرار الضغط العسكري الإسرائيلي وإبقاء مؤسسات الدولة اللبنانية قائمة؟
فتح الأجواء لا يعني إغلاق جبهة الحرب
يحمل القرار منفعة فعلية للبنان، سواء على مستوى التواصل مع الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة أو إمكان تنشيط السياحة والتجارة والاستثمار. لكنه لا يبدّل وحده المعادلة الأمنية، ولا يعوّض غياب ضمانات واضحة بشأن وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وعودة السكان إلى قراهم.
والأهم أن رفع القيود الرئاسية لا يساوي رفع التحذير الأميركي من السفر إلى لبنان، كما أنه لا يعني أن الرحلات المباشرة ستُستأنف فوراً. فهذه تفاصيل إجرائية وأمنية ينبغي عدم الخلط بينها وبين الدلالة السياسية للقرار.
في المحصلة، لا تكمن أهمية الخطوة في أنها ترسم حدوداً نهائية للحرب، بل في أنها تفتح باباً للتساؤل عن شكل لبنان الذي تريده واشنطن في المرحلة المقبلة، دولة تستعيد مؤسساتها وعلاقاتها الدولية، فيما تُترك جبهة الجنوب تحت ضغط الوقائع الإسرائيلية، أم دولة ذات سيادة كاملة لا يمكن فصل استقرار عاصمتها واقتصادها عن إنهاء الاحتلال والاعتداءات في جنوبها؟
الاختبار الحقيقي لن يكون في عودة الطائرات الأميركية إلى بيروت وحدها، بل في ما إذا كان فتح الأجواء سيواكبه تحرك سياسي يضمن ألا يتحول "الخط الأصفر" إلى حدود دائمة، وألا يصبح تحييد بعض المناطق، إن تحقق، بديلاً من تحييد لبنان كله عن الحرب.