Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

مساعدات حزب الله: جبرٌ للأضرار أم تكريسٌ لسلطة موازية؟

كشف رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله الشيخ علي دعموش عن سقف مساعدات الايواء التي ستصرف للعائلات المتضررة.
الدمار في الجنوب
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- ليس من الإنصاف إنكار أهمية المساعدات المالية التي بدأ حزب الله توزيعها على العائلات المتضررة من الحرب الإسرائيلية، بعدما فقدت منازلها أو باتت غير صالحة للسكن. ففي بلد تتعثر فيه الدولة في تأمين التمويل اللازم للإيواء وإعادة الإعمار، تشكّل هذه المساعدات متنفسًا لعائلات دفعت أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها وممتلكاتها. لكن الإنصاف نفسه يقتضي ألّا تتحول الحاجة الإنسانية إلى غطاء يحجب الأسئلة السياسية الكبرى التي أوصلت البلاد إلى هذا الواقع.
إيجابيًا، يحاول حزب الله، من خلال برنامج "وعد والتزام"، جبر جزء من الأضرار التي لحقت ببيئته وبالعائلات التي هجّرتها الحرب. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تستجيب لحاجة فعلية، لا تستطيع الشعارات السياسية وحدها تلبيتها. فالمساعدة المالية، مهما بلغت قيمتها، تبقى أقل من خسارة المنزل والاستقرار والقدرة على العودة إلى القرية، لكنها تخفف بعض الأعباء وتتيح للمتضررين تدبير شؤونهم في انتظار الحلول الأوسع.
غير أن الوجه الإنساني للمبادرة لا يلغي مسؤولية حزب الله السياسية عن المسار الذي انتهى بهذه الخسائر. فحرب "الإسناد"، ثم حرب "الثأر"، لم تكونا قرارًا وطنيًا اتخذته الدولة اللبنانية، بل ارتبطتا بخيارات عسكرية اتُّخذت خارج مؤسساتها. ومن هنا، لا يمكن فصل المساعدات عن محاولة احتواء آثار حرب ساهم الحزب في إدخال لبنان إليها، ولو أن إسرائيل تتحمل مسؤولية الاعتداءات والتدمير اللذين ارتكبتهما. فالتعويض عن الأضرار لا يمحو مسؤولية الخيارات التي سبقتها، ولا يعفي أصحاب القرار من مراجعة نتائجها.
أما سلبيًا، فإن الحزب، وهو يبدأ توزيع المساعدات بآلياته ولجانه وجداول المستفيدين، يكرّس مرة أخرى صورة التنظيم القادر على التحرك بوصفه سلطة مستقلة، فيما تبدو الدولة عاجزة عن القيام بدورها. والمشكلة ليست في أن يساعد حزبٌ مواطنين تضرروا من الحرب، بل في أن تصبح المساعدة جزءًا من منظومة موازية تتولى إدارة شؤون الناس وتستثمر في الوقت نفسه عجز المؤسسات الرسمية.
ويزداد هذا التناقض وضوحًا حين يرمي الحزب إلى الدولة ملف إعادة الإعمار، باعتباره مسؤولية حكومية، فيما يتصرف هو في ملف الإيواء باعتباره صاحب المبادرة والقدرة على التنفيذ. صحيح أن إعادة إعمار بلدات مدمرة وتأمين التمويل اللازم لها يتجاوزان إمكانات أي حزب، لكن ذلك لا يبرر استمرار الفصل بين سلطة تتولى المساعدة وسلطة يُلقى على عاتقها عبء المعالجة الشاملة، من دون أن تكون صاحبة القرار الكامل في الحرب والسلم.
والأشد دلالة أن الحزب، الذي يرفع خطاب المقاومة في مواجهة إسرائيل، لا يظهر في المقابل بالفاعلية نفسها في منع استمرار الاعتداءات أو فرض معادلة تتيح للنازحين العودة الآمنة إلى قراهم. إنه يتحرك ماليًا لتخفيف آثار الحرب، فيما يبقى المشهد الميداني محكومًا بالاعتداءات الإسرائيلية والدمار وتعذر العودة في مناطق عدة. وهنا يبرز السؤال، هل تكفي القدرة على توزيع المساعدات لتعويض غياب القدرة على حماية الأرض والناس، أو أن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء الظروف التي تجعل النزوح والتهجير يتكرران؟
لا يعني ذلك إعفاء الدولة من مسؤولياتها. فالحكومة مطالبة بتسريع مسح الأضرار، ووضع آلية واضحة وشفافة للتعويضات، وتأمين التمويل، والتحرك دبلوماسيًا من أجل وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وإعادة السكان إلى قراهم. لكن استعادة الدولة دورها لا تتحقق بمجرد مطالبتها بتحمل كلفة الحرب، فيما يبقى قرار الحرب والسلم خارج سلطتها الفعلية.
المفارقة أن المساعدات قد تخفف معاناة الناس اليوم، لكنها قد تكرّس، إذا بقيت منفصلة عن مشروع وطني جامع، واقعًا لا تستطيع الدولة فيه احتكار القرار ولا إدارة نتائج الحرب بصورة متكاملة. وهذا ما يجعل المسألة أبعد من صراع على من يدفع بدل الإيجار أو ثمن الأثاث، إنها مسألة تتصل بمن يقرر مصير البلد، ومن يتحمل مسؤولية قراراته، ومن يملك حق رسم مستقبله.
ويبقى الأساس في خيارات البيئة الشيعية نفسها: هل ترضى بسلطة الحزب وسطوته، مكتفيةً بجرعة من المساعدات تخفّف أعباء الحرب، فتتأقلم مع واقعها، أم تتطلع إلى دولة تحميها وتضمن حقوقها بعيدًا من الارتهان لأي سلطة موازية؟
فالمطلوب ليس المفاضلة بين مساعدات حزب الله وواجبات الدولة، بل الانتقال من جبر أضرار الحرب إلى منع تكرارها.
 

آخر الأخبار