اليونيفيل: حيوية للقرى الشيعية وجسرٌ للقرى المسيحية
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي-قد يكون السؤال الأكثر إلحاحاً في الجنوب اللبناني مع اقتراب نهاية مهمة "اليونيفيل" في 31 كانون الأول 2026، ليس لماذا ترحل القوات الدولية، بل ماذا سيحدث في اليوم التالي لرحيلها؟
فالجنوب الذي عرف وجود الأمم المتحدة منذ عام 1978، وتحوّل بعد القرار 1701 إلى مساحة تنتشر فيها قوات دولية إلى جانب الجيش اللبناني، لن يفقد عند انسحاب "اليونيفيل" قوة عسكرية فحسب. سيخسر أيضاً شبكة واسعة من المراقبة والاتصال والحضور الدولي والخدمات والعلاقات الاقتصادية التي نشأت طوال عقود حول هذه القوة. وقد حدد مجلس الأمن بالفعل أن تكون نهاية المهمة في 31 كانون الأول 2026، على أن يبدأ الانسحاب التدريجي، مع هدف معلن هو أن تصبح الدولة اللبنانية الجهة الأمنية الوحيدة في الجنوب.
وهنا تكمن المشكلة اللبنانية الأساسية فالبديل لم يتبلور بعد.
الرئيس جوزيف عون نقل هذه المخاوف إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، فيما تحاول بيروت، وفق المعطيات المتداولة، البحث عن صيغة دولية تحول دون أن يتحول خروج "اليونيفيل" إلى فراغ في الجنوب. وفي باريس، كان البحث قد انتقل فعلاً إلى مستقبل الوجود الدولي، مع طرح فرنسي-إيطالي لفكرة قوة متعددة الجنسيات تحل محل "اليونيفيل" أو تؤدي بعض وظائفها.
لكن المفارقة أن القوة التي يُخشى اليوم أن يؤدي غيابها إلى فراغ، كانت طوال سنوات موضع اعتراض من طرفي الصراع تقريباً.
حزب الله لم ينظر إلى اليونيفيل بوصفها قوة محايدة دائماً.
وفي مراحل مختلفة، واجهت دورياتها اعتراضات وعمليات منع للحركة واحتكاكات مع السكان. وفي حادثة العاقبية في كانون الأول 2022، قُتل الجندي الإيرلندي شون روني، وأصيب آخرون، بعدما تعرضت آليتهم لإطلاق نار من مجموعة من السكان. وأفادت المحكمة العسكرية اللبنانية لاحقاً بإدانة عدد من المتهمين، فيما أشار قرار الاتهام إلى صلات بين المتهمين وحزب الله.
ولم تكن حادثة العاقبية معزولة عن مناخ أوسع من الاعتراض على حركة "اليونيفيل". فالمنظمة نفسها تقول إن جنودها تعرضوا في مناسبات عدة للمنع والهجمات العنيفة من السكان المحليين، فيما وثقت تقارير أخرى اتهامات متبادلة بين إسرائيل وحزب الله بشأن مهمة القوة وطريقة عملها.
أما إسرائيل، فكانت لها روايتها المختلفة. فهي لطالما اتهمت "اليونيفيل" بأنها لم تتمكن من منع تعاظم القوة العسكرية لحزب الله في الجنوب، ولذلك رحبت الولايات المتحدة وإسرائيل بقرار إنهاء المهمة تدريجياً. وفي المقابل، تقول الأمم المتحدة إن القرار 1701 لا يمنح "اليونيفيل" مهمة نزع سلاح حزب الله بصورة مباشرة، بل يحدد لها مهام مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم الجيش اللبناني والمساعدة في جعل المنطقة الواقعة بين الليطاني والخط الأزرق خالية من السلاح غير الشرعي والنشاط العدائي.
هكذا وجدت "اليونيفيل" نفسها طوال عقود في موقع شديد التعقيد: قوة لا ترضي إسرائيل تماماً، ولا يرضى عنها حزب الله ، لكنها أصبحت في الوقت نفسه جزءاً من الحياة اليومية للجنوبيين.
وهذه النقطة تحديداً هي التي قد يغفلها النقاش السياسي حول الانسحاب.
فـاليونيفيل لم تكن في الجنوب مجرد جنود ودوريات ومراكز مراقبة. لقد نشأ حولها اقتصاد محلي كامل. المطاعم والمتاجر ومحطات الوقود وشركات الخدمات والمقاولون والعمال ومقدمو الخدمات استفادوا من وجود آلاف الجنود والموظفين الدوليين. وتقول بيانات للأمم المتحدة إن وجود القوة كان يضخ عشرات ملايين الدولارات سنوياً في الاقتصاد اللبناني، فيما استفادت الشركات اللبنانية من عقودها، إضافة إلى مشاريع البنى التحتية والخدمات الصحية والإنمائية.
ومع مرور الزمن، أصبح الأمر أكثر من مجرد "ارتزاق" من قوة دولية. لقد نشأت سوق عمل مرتبطة بالاستقرار الدولي نفسه، سائقون، مترجمون، عمال صيانة، شركات نقل، مطاعم، متاجر، مقاولون، خدمات لوجستية، إضافة إلى آلاف اللبنانيين الذين ارتبط دخلهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالوجود الدولي.
وتؤكد التطورات الحالية حجم هذه المسألة. فقد نقلت "رويترز" عن عاملين ومتعاقدين مع القوة أن انسحابها قد يعني فقدان وظائف ومساكن مرتبطة بوجودها، فيما تخشى بلدات جنوبية، وخصوصاً البلدات المسيحية المحاصرة في مناطق قريبة من الاحتلال الإسرائيلي، فقدان صلة حيوية بينها وبين بقية لبنان. ففي مناطق مثل رميش وعين إبل ودبل، تصبح المسألة أكثر حساسية. فهناك قرى تعيش اليوم في ظل واقع عسكري إسرائيلي جديد، وطرق مقطوعة وحواجز وصعوبات في إدخال الغذاء والوقود. وفي رميش تحديداً، أصبحت قوافل "اليونيفيل" جزءاً من الصلة العملية بين السكان والعالم الخارجي. وقد نقلت «رويترز» مخاوف سكان البلدة من أن يؤدي رحيل القوة إلى مزيد من العزلة ونقص المواد الأساسية.
وهنا يظهر المعنى الأعمق لكلمة "الفراغ".
إنه ليس فقط، من سيقوم بالدوريات بعد خروج الجنود الدوليين؟ بل أيضاً: من سيراقب الخط الأزرق؟ من سيعاين الخروقات؟ من سيكون شاهداً دولياً على ما يجري؟ من يساعد على إبقاء الطرق مفتوحة؟ من يؤمن الصلة بالقرى المعزولة؟ ومن يعوض عشرات المؤسسات والعمال الذين نشأ مصدر رزقهم حول الوجود الدولي؟
والأهم: من يملأ المساحة بين انسحاب "اليونيفيل" واكتمال انتشار الجيش اللبناني وقدرته على ممارسة سيادته فعلياً؟
إن لبنان لا يستطيع أن يتعامل مع خروج "اليونيفيل" كأنه مجرد انتهاء مهمة أممية طويلة. فالوجود الدولي، بكل ما له من ملاحظات وانتقادات وحدود، كان يشكل منذ عقود طبقة عازلة بين الجنوب والحرب، ونافذة دولية على منطقة لطالما كانت عرضة للصراع.
إذا كان البديل هو الجيش اللبناني، فهل يمتلك الإمكانات السياسية والعسكرية والمالية للقيام بالمهمة؟
وفي المحصلة، لا يحتمل الجنوب فراغاً جديداً يُضاف إلى إفراغ الأرض وإلى تراجع معنى الشرعية الدولية والوطنية. فخروج اليونيفيل لا يطرح فقط سؤال مَن يملأ الفراغ، بل سؤال مَن يحفظ للجنوب صلته بلبنان والعالم، ويمنع أن يصبح الفراغ نفسه واقعاً جديداً
.