ينعكس الانسلاخ المفاجئ على النازحين نفسياً وجسدياً.
الأربعاء ١٥ أبريل ٢٠٢٦
لين برق-لم يكن الخروج من المنزل قرارًا يختاره النازحون، بل خيارًا فرضته الحرب تحت وطأة الخوف. في ثوانٍ، تحوّل البيت من مساحة أمان إلى مكانٍ لم يعد قادرًا على احتضانهم، ولا يمنحهم الشعور بالطمأنينة، ليصبح مجرد ذكرى. المنزل هو اكثر من جدران،إنه مستودع قصص و عنصر حاسم في الهوية. هكذا يعيش اليوم أهالي الجنوب في لبنان تجربة النزوح القسري بسبب الأوضاع الراهنة، حيث لا يقتصر فقدانهم على المأوى،بل يمتد ليشمل فقدان الأمان والاستقرار والانتماء إلى بلدتهم. و النزوح القسري يجبر الانسان على ترك بيته و ارضه بسبب الظروف التي هي الحرب القائمة و ليس لانه يريد و لكن لانه لم يعد آمناً للبقاء. فكيف يؤثر هذا الانسلاخ المفاجئ من الأرض والبيت على الحالة النفسية و الجسدية للإنسان؟ عندما يكون النزوح نتيجة حرب و تدمير المنازل، يترك آثاراً نفسياً و جسدياً.فالنازح لا يفقد فقط مكان إقامته بل يفقد جزءاً من هويته و ذكرياته. هذا الانسلاخ المفاجئ ينعكس بشكل مباشر على الانسان: من الجانب النفسي، يوّلد مشاعر القلق،الخوف المستمر و الحزن، و قد يتطوّر لدى البعض إلى حالات من الصدمة النفسية أو ما يعرف بالاضطراب ما بعد الصدمة. أمّا من الجانب الجسدي فقد يؤدي التوتر المستمر إلى فقدان الشهية،الصداع،الأرق إضافة ً إلى آلام مزمنة توّلدها الصدمات. و في هذا السياق، تشير الاختصاصية في علم النفس ناديا كتوب في مقابلة اجريتّها معها إلى أن فقدان البيت بشكل مفاجئ يُعدّ من أكثر التجارب الصادمة نفسياً، اذ لا يقتصر على خسارة مادية،بل يتعدّى ذلك ليشمل فقدان الشعور بالأمان والانتماء والاستقرار. البيت بالنسبة للفرد هو مساحة الأمان والهوية، وعند فقدانه بشكل قسري، يشعر الشخص بتهديد وجودي وفقدان السيطرة على حياته، مما يخلق حالة من الصدمة والاضطراب النفسي. و لفتت كتوب إلى أن هذه التجربة قد تؤدي الى ظهور عدد من الاضطرابات نفسية، أبرزها: اضطرابات القلق (مثل القلق العام ونوبات الهلع)،الاكتئاب نتيجة الشعور بالخسارة والعجز،اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) خاصة عند التعرض المباشر للخطر،اضطرابات النوم (أرق، كوابيس)و أحياناً أعراض جسدية مرتبطة بالضغط النفسي (مثل الصداع أو التعب المزمن). و أكدّت أن فقدان البيت بسبب الحرب يصنّف كحدث صادم، لا سيما إذا كان مفاجئًا ومصحوبًا بتهديد للحياة، ما قد يترك آثارًا نفسية عميقة في حال لم يتم التعامل معه بشكل صحيح. و عن تأثر الأطفال و الكبار،فأشارت كتوب إلى أن الأطفال يتأثرون بطريقة مختلفة عن الكبار، لعدم امتلاكهم القدرة الكافية على فهم أو التعبير عن مشاعرهم، ما قد يظهر من خلال سلوكيات رجوعية مثل التبول اللاإرادي و تعلّق الزائد بالاهل،خوف شديد، أو مشاكل في النوم والتركيز. في المقابل، يميل الكبار إلى القلق أو الاكتئاب أو كبت المشاعر. فينعكس فقدان الأمان على العائلة ككل، حيث يزداد التوتر بين أفرادها وتظهر صعوبات في التواصل، وقد يصبح الأهل أقل قدرة على احتواء أطفالهم بسبب الضغط النفسي. وعن سبل التخفيف من هذه الآثار، تشدد على أهمية توفير بيئة آمنة قدر الإمكان، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي، وتشجيع التعبير عن المشاعر بدل كبتها، وإعادة بناء الروتين اليومي لتعزيز الإحساس بالسيطرة. كما تشير إلى أن بعض الحالات قد تحتاج إلى تدخل متخصص، مثل العلاج المعرفي السلوكي(CBT). و في ما يتعلّق بتوفير الدعم النفسي في لبنان، تأسفت و قالت كتوب أنه لا يزال غير كافٍ مقارنةً بحجم الحاجة، رغم الجهود التي تبذلها بعض المنظمات، حيث لا يزال الوصول إلى هذه الخدمات محدودًا لدى بعض الفئات،سواء بسبب التكلفة أو نقص الوعي أو التوزيع الجغرافي للخدمات. واختتمت الإختصاصية في علم النفس ناديا بنصيحة للنازحين، أن ما يشعرون به هو رد فعل طبيعي على حدث غير طبيعي، مشددةً على أهمية التعبير عن المشاعر، وطلب الدعم من الأشخاص الموثوقين، والتركيز على ما يمكن التحكم به، واللجوء إلى مختص نفسي في حال استمرار الأعراض أو تفاقمها. و من جهة ٍ أخرى، و في جولةٍ قمتُ بها في الكورة،شمال لبنان،عبّر النازحون عن هذه المعاناة من خلال تجاربهم الشخصية. تقول نور الزهراء،طالبة جامعية و هي من بلدة الجبين الحدودية إنها اضطرت إلى مغادرة منزلها بشكل مفاجئ بعد تعرضهم لغارة إسرائيلية،مضيفةً: “اضطرّينا نطلع من الضيعة كليًا، وما كنت مستوعبة شو اللي عم بيصير، وما قدرت آخد معي لا غراض ولا حتى ذكرياتي”. وعن اللحظة التي علمت فيها بتدمير منزلها، تروي: “نزل الإعلام الإسرائيلي صورة لبيتي وهني فايتين عليه… ومن وقتها كنت عم فكّر إذا بيتي بعده موجود كيف بدي فوت عليه بعد ما نجّسوه.وبعد يومين، عرفنا إنو البيت تدمر، وكانوا زارعين فيه متفجرات”. وتضيف أنها شعرت برغبة شديدة بالبكاء، لأن “هيدا البيت كان كل طفولتي وكل ذكرياتي”، إلا أنها حاولت التماسك، معتبرةً أن “الحجر مش أغلى من البشر”، وهو ما منحها نوعًا من القوة الداخلية. أمّا عن مشاعرها اليوم، فتقول إنها لم تعد تشعر سوى بالغضب، مشيرةً إلى “رغبة بالانتقام على كل اللي خسرناه من بشر وحجر وزيتونة و كل حبة تراب نزل عليها دمّ شهيد”، وواصفةً حالتها النفسية بأنها "مزيج من الغضب والحقد على عدوّ غاشم" نتيجة ما تعرّضت له. و في رسالة وجهتها لكل المعنيين:"بقول للعالم الشريفة متمثلة بكلام الله عز وجل بسورة آل عمران، آية 139، صفحة 67 وَ لا تَهِنُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وايضاً سورة النساء، آية 104، صفحة 95 وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً." استشهدت نور الزهراء بآيات قرآنية تعبّر من خلالها عن الصبر و الثبات،مؤكدةً تمسّكها بالأمل رغم قساوة التجربة. و في سياقٍ مماثل، يتحدث نازحٌ آخر تجربة متشابهة،شاركَ محمد نعيم،تلميذ في مدرسة وهو من بلدة سلعة، تجربته مع النزوح القسري،مؤكداً أن مغادرته لمنزله لم يكن خياراً بل اجباراً.و قال:"أخدت كم غرض بسرعة، أشياء خفيفة عسريع وتركت اغراضي يلي بتحمل ذكريات و أحداث ما بتنعاد … وطلعت. ما لحّقت حتى ودّع البيت، وكأنو عم أهرب من جزء مني مش بس من مكان". و وصفَ الطريق بأنها كانت طويلةً ومرهقةً، إلا أن الشعور الأثقل كان الخوف من عدم العودة، مضيفًا: “كان في إحساس إنو يمكن ما أرجع”. وعن لحظة فقدان المنزل، اشار نعيم إلى أن الألم كان كبيرًا، لكنه لم يكن مرتبطًا بالحجر بقدر ما كان متعلقًا بالمعنى الذي يحمله المكان، قائلاً إن المنزل رغم الدمار كان شاهدًا على تضحية كبيرة، “وكان فيه مجاهدين ومقاومين، وارتقى فيه شهيدين وهم عم يدافعوا عن الأرض”. هذا الواقع، بحسب تعبيره، جعل الحزن ممزوجًا بنوع من الفخر "لأن هيدا المكان شاهد على ناس ضحّت كرمال الكرامة و الارض". و تابع بأن مشاعره اليوم هي "خليط صعب" بين الحزن والاشتياق لكل تفاصيل البيت، وبين شعور بالفخر ،إضافة إلى خوف مستمر من المستقبل، متسائلًا: “إذا رجعنا، لوين بدنا نرجع؟” . و رغم الوجع و الألم،يؤكد محمد أن الأمل لا يزال موجوداً ،قائلاً:" بعدني بحس بوجع وفراغ، بس كمان في قوّة عم تكبر جوّاتي… كأنو رغم كل شي، بعد في أمل إنو نرجع ونبني من جديد". و في رسالة أخيرة يوجّهها،شدّد محمد نعيم على أنّ "نحنا مش أرقام بالأخبار،نحنا ناس عنّا بيوت و ذكريات و أحلام" مؤكدًا أن الحرب لا تدمّر الحجر فقط، بل “بتكسر قلوب”. ومع ذلك، يختم نعيم بطلب المساعدة "إذا فيكن تساعدوا ساعدوا و اذا لا على الاقل ما تنسوا انوا في ناس خسروا بيتن و عم يعيشوا الوجع" بالتأكيد على التمسك بالأرض والكرامة، والإصرار على الاستمرار رغم كل الظروف. في النهاية،بين وجهة نظر النازحين و رأي الاختصاصية النفسية، تُكشف أبعاد أزمةٍ لا تقتصر على فقدان المنازل،بل تمتد لتطال الشعور بالأمان والاستقرار والانتماء. بين شابةٍ تتمسّك بذكريات بيتها،ونازحٍ يعيش قلق المصير المجهول، تبقى هذه التجارب شاهدةً على آثارٍ نفسية عميقة خلّفتها الحرب. ورغم هذا المصير المجهول، حيث لا إجابات واضحة ولا يقين لما هو آتٍ،يظلّ الأمل قائمًا بأن يعود الإنسان يومًا إلى أرضه وبيته.
اجتماع مرتقب في وزارة الخارجية الأميركية يطلق مفاوضات لبنانية–إسرائيلية وسط تباين حاد في الأهداف.
من واشنطن إلى العواصم الكبرى، تعود مفاوضات “مستوى السفراء” كأداة مرنة لإدارة النزاعات الحساسة، فهل تفتح الباب أمام اختراقات هادئة في ملفات معقدة كالعلاقة بين لبنان وإسرائيل؟
بين مناورات الخداع الإسرائيلية وارتباك محور الممانعة، تكشف ضربة بيروت خللاً عميقاً في قراءة التحولات الإقليمية وانفصالاً متزايداً بين الميدان ومراكز القرار.
بين تصعيد مضبوط ورسائل نارية، هل تتحوّل الجبهة الجنوبية إلى ورقة تفاوض في مفاوضات إسلام آباد، أم إلى ساحة اشتباك مفتوحة على كل الاحتمالات؟
لم تظهر انتقادات لقبول ايران بالتفاوض في البيئة التي "خونت" رئيسي الجمهورية والحكومة في طرحهما التفاوض مع اسرائيل.
بين تصاعد العمليات العسكرية وتراجع الدور الرسمي، يدخل لبنان مرحلة خطرة وسط غموض يلفّ مآلات المواجهة.
توحي المواقف الأميركية والايرانية تصعيدا في الميدان العسكري سينعكس على الجبهة اللبنانية.
بين فصل الجبهات وتضارب الرسائل الدولية، تبدو الجبهة اللبنانية مفتوحة على حرب طويلة تُدار بمنطق التدمير أكثر من التسوية.
بعد تجربة الترسيم البحري، يدخل لبنان مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد التفاوض خيارًا متاحًا بسهولة، بل نتيجة تُفرض بعد حرب تغيّر موازين القوى.
بيار روفايل من الصحافيين الذين تركوا، في تاريخ الصحافة اللبنانية ، بصمة خاصة جداً.