ادغار جلاد في قراءة للصراع الاميركي الصيني من مجهر فيروس كورونا

الخميس 21 أيار 2020

ادغار جلاد في قراءة للصراع الاميركي الصيني من مجهر فيروس كورونا

 كتب الزميل ادغار جلاد مدير الأخبار في تلفزيون بي بي سي نيوز عربي مقالة معمّقة عن موقع فيروس كورونا في الصراع العام بين الولايات المتحدة الأميركية والصين.

عنوان هذه المقالة، للصحافي اللبناني الذي يعيش حاليا في لندن:" فيروس كورونا: هل حان وقت المواجهة بين الصين والاولايات المتحدة".

تنشر ليبانون تابلويد في" المقالة الذهبية" هذا النص المشؤّق في سرده في إطار من التحليل الديبلوماسي لموازين القوى العالمية :

"بدأت محاولات إيجاد موقع لأزمة كورونا في عالم السياسة، وكلما عاد العالم إلى طبيعته تفرغت الدول العظمى لعملية استيعاب هذه الأزمة وتوظيفها في المصالح الاستراتيجية.

كثيرة هي سيناريوهات مستقبل العلاقة بين الصين والولايات المتحدة، ومنها ما يذهب بعيدا إلى حد توقع مواجهة واسعة النطاق.

وكانت تحليلات عدة ترى حتمية هذه المواجهة حتى قبل زمن وباء كورونا، لكن براغماتية الرئيس ترامب وتوجهاته نحو سياسة السوق وتقاسم الأرباح حدًت من زخم هذه التحليلات. خصوصا أن الجبارين اللذين يمسكان بزمام جزء كبير من اقتصاد العالم توصلا إلى ورقة تفاهم حول التعرفة الجمركية لتنظيم تبادل تجاري يتخطى ال 700 مليار دولار سنويا، ما لبثت أن انهارت مناخاتها الايجابية بعد بروز أزمة وباء كورونا.

من الواضح أن رائحة السياسة والتحضير لمساحات خلافية بين الدولتين برسم المرحلة المقبلة بدأ. فالأمور لم تعد كورونا فقط بل أيضا إعادة رسم التوازنات الدولية سياسيا واقتصاديا في مرحلة ما بعد الفيروس.

العلاقة بين الصين والولايات المتحدة لم تكن يوما سهلة أصلا، إذ طالما كانت توصف بالعلاقة الحذرة التي لم تصل الى حد العداوة كما أنها لم تصل يوما الى التحالف.

كانت على ما يبدو علاقة لا بد منها بالنسبة للطرفين، وكانت السياسة تختفي تحت مظلة الاقتصاد وفق حاجة الطرفين الى بعضهما بعض.. وقد شهد تاريخ هذه العلاقة مسارات عدة منها ما برز في وسائل الإعلام فيما الجزء الأكبر منها بقي بعيدا عن الأضواء.

وأكبر مثال على ذلك ما عرف بدبلوماسية "البينغ بونغ" عندما زار منتخب كرة الطاولة الأمريكي الصين في أبريل/نيسان 1971 لخوض مباراة مهدت الأجواء لمفاوضات أدت في النهاية الى زيارة الرئيس الأمريكي، ريتشارد نيكسون، إلى بكين عام 1972.

كان الطرفان يخوضان الكثير من المحادثات بعيدا من الأضواء قاد جزءا منها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش (الأب) من خلال موقعه كسفير في بكين عام 1974. وكان الغرب يحتاج إلى مصنع يضع التكنولوجيا الغربية بمتناول الجميع بأسعار مقبولة، ومَن غير الصين كان قادرا على توفير ذلك بالحجم المطلوب آنذاك؟

في المقابل تحتاج بكين إلى الدول الغنية (الغرب) لإنعاش اقتصادها وصناعاتها ومساعدتها في تحقيق طموحاتها التاريخية، ويعلم الغرب تماما أن تاريخ جنوب آسيا مليء بالعداوات والخلافات السياسية، وكان زعماؤه يقرأون في كتب ماو تسي تونغ الذي قال : "تخيلوا لو أن الاتحاد السوفياتي هاجمنا من الشمال والغرب، وهاجمتنا الهند من الجنوب، واليابان من الشرق، ماذا سنفعل حينها؟ ما وراء اليابان هناك الولايات المتحدة. ألم يلجأ أجدادنا الى التفاوض مع دول بعيدة عندما كانوا يقاتلون الدول القريبة؟".

وبعد عقود لا تزال القصة هي نفسُها، فالإدارة الأمريكية الحالية لا تختلف عن سابقاتها إذ تبع ترامب خطوات الرؤساء السابقين فزار الصين وحاول بناء علاقات من منظور جديد ويحاول الآن التعامل مع تحديات هذه العلاقة وحدودها في زمن متغير يشهد تبدلا في خارطة النفوذ الدولية.

حدود المواجهة

ما الذي تغير الآن لكي تُطرح علامات استفهام حول هذه العلاقة من جديد الى درجة تداول سيناريوهات مواجهة عسكرية بين البلدين؟

لا شيء في الجوهر، فالصين كانت ولا تزال خطرا استراتيجيا لأنها قوة عسكرية هائلة أصبحت تنافس في مجال التكنولوجيا أيضا وهذا ليس جديدا. فمنذ نحو عام قال الأدميرال فيليب دافيدسون الذي يشرف على القوات الأمريكية في آسيا: إن الصين هي أكبر تهديد استراتيجي للولايات المتحدة، واعتبر أن الصين قادرة على تخطي التقدم العسكري الأمريكي في غضون خمس سنوات. وفي سياق رسائل القوة المفتوحة كثفت واشنطن حضور سفنها الحربية في بحر الصين الجنوبي، كما شهدت المنطقة مناورات تحت عنوان حرية الملاحة في تلك المنطقة انضمت إليها فرنسا وبريطانيا.

لكن تعقيدات العلاقة وإطارها الجيو- استراتيجي يجعل النظرة الأمريكية اليها أكثر حذرا وتعقيدا. فالفيروس قد يكون أداة ضغط للاستثمار السياسي والمواجهة العسكرية لا تزال قائمة نظريا بالمفهوم العسكري ولكن ليس بالواقع السياسي حتى الآن. وضرب الصين يعني حرمان الغرب من نسبة عالية من صناعاته والسلع الرخيصة التي تباع في أسواقه وصولا الى الأدوية والمستلزمات الطبية التي يستعملها الغرب في محاربة فيروس كورونا، أقله على المدى القريب.

والهند، رغم أنها المنافس الأكبر للصين في مجال الصناعات الرخيصة والتصدير، لا تتمتع بالقدرات الصناعية والتكنولوجية نفسها التي تملكها الصين أقله في المدى القريب. وهذا الأمر ترفضه دلهي التي تعتبر أن الهند تتمتع بقدرات تنافسية هائلة والحكومة تستعد فعلا لخوض هذه المنافسة عبر بناء مناطق صناعية بشروط تحفيزية، بدعم من الظروف السياسية الدولية القائمة.

وفي لغة موازين القوى، قد تعني محاولة إخراج الصين من المعادلة تعزيز قوة روسيا والهند عسكريا وسياسيا في المنطقة، وهذا سينعكس على خريطة تقاسم النفوذ والاستقطاب في كل القارة الآسيوية.

فهل واشنطن راغبة الآن في التعامل مع تبعات زلزال من هذا النوع؟ سؤال يحتاج الى كثير من المعطيات والغوص في عمق تعقيدات هذه العلاقة الملتبسة.

ولكن أليست هناك بدائل أخرى اعتمدتها الولايات المتحدة في السابق مثل اللعب على التناقضات الإقليمية والدولية لتطويق الخصوم وإضعافهم ؟ وفي هذا السياق قد يوفر وباء كورونا مساحة المناورة التي ستمارسها الإدارة الأمريكية في المرحلة المقبلة لإدارة الأزمة وتوجيهها في الاتجاه الذي يناسب مصالحها".