Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

من الكرك إلى لبنان... الخوف المسيحي الذي لا يريد أحد أن يسمعه

هزّ هجوم إرهابي على كنيسة مار جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، جنوب الأردن، الوجدان العربي العام وأعاد طرح المخاوف المسيحية .


المسيحيون في لبنان
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

أنطوان سلامه- لم يعد الخوف المسيحي في الشرق هاجسًا يمكن اختزاله في ذاكرة تاريخية أو توظيفه في سجالات الطائفية والتقسيم. إنه خوف يتغذّى من وقائع متراكمة، ومن انحسار ديموغرافي وجغرافي متواصل، ومن شعور متزايد بأن المسيحيين باتوا محاصرين بين تطرفين، إسرائيلي وإسلامي، يتواجهان سياسيًا وعسكريًا، لكنهما يلتقيان، في نتائج مختلفة، عند تهديد شروط وجودهم واستقرارهم.
جاء الهجوم المسلح على كنيسة أرثوذكسية في الكرك الأردنية، خلال مراسم جنازة في 23 تشرين الأول، ليسقط قتلى وجرحى، ويعيد إلى الواجهة خطر التطرف التكفيري. وقد وصفت السلطات الأردنية الهجوم بالإرهابي، فيما لا تزال هوية المنفذين وارتباطاتهم موضع تحقيق. لكن دلالة الحدث تتجاوز حدود المكان الذي وقع فيه، فحتى المجتمعات التي لم تكن في صدارة مشاهد العنف الطائفي تجد نفسها أمام احتمال انتقال هذا العنف إلى قلب حياتها الدينية والاجتماعية.
فمن فلسطين، حيث يتراجع الوجود المسيحي تحت وطأة عوامل سياسية واقتصادية وديموغرافية، وفي ظل الاحتلال الإسرائيلي والحرب وتداعياتهما، إلى العراق الذي شهد هجرة واسعة للمسيحيين، ولا سيما بعد اجتياح تنظيم "داعش" مناطقهم، وصولًا إلى سوريا التي أدّت الحرب فيها إلى نزوح وهجرة أعداد كبيرة من المسيحيين، تتوالى مؤشرات الانحسار. وتشير تقديرات أوروبية إلى أن نسبة المسيحيين في سوريا تراجعت من نحو 10 في المئة قبل عام 2011 إلى قرابة 2 في المئة في السنوات الأخيرة، فيما انخفض عددهم في العراق من نحو مليون ونصف المليون قبل عام 2003 إلى أقل من 150 ألفًا وفق تقديرات منشورة عام 2024.
ليست هذه الوقائع متطابقة في أسبابها، ولا يجوز ردّها جميعًا إلى عامل واحد. فالاحتلال والحروب وانهيار الاقتصادات، كما الاعتداءات التي ترتكبها جماعات متطرفة، تتداخل في دفع السكان إلى الهجرة. لكن المحصلة واحدة في بعدها التاريخي، تراجع جماعات مسيحية أصيلة في مجتمعاتها، وتقلّص قدرتها على البقاء في أرضها، وتحول وجودها في بعض المناطق إلى وجود مهدد بالانكماش الحاد.
وبين هذه التجارب، يبدو لبنان أمام سؤال لا يستطيع التهرب منه، هل لا يزال قادرًا على حماية التوازن الذي جعل منه، تاريخيًا، مساحة أساسية للوجود المسيحي في الشرق؟
لا يعني ذلك أن لبنان بمنأى عن الخطر، أو أن الوجود المسيحي فيه مضمون. فالحرب الأهلية تركت جروحًا عميقة، والهجرة المتواصلة أضعفت الوزن الديموغرافي، فيما جعل الخوف على الأرض، والقلق من تبدّل التوازنات، قطاعات واسعة من المسيحيين أكثر حساسية تجاه مستقبلهم السياسي والجغرافي. وتزداد هذه المخاوف حين يشعرون بأن الحرب والسلم قد يتحولان إلى قرار يتجاوز مؤسسات الدولة، وأن لبنان يمكن أن يُدفع إلى مواجهة تخدم مشروعًا إقليميًا لا يملك اللبنانيون جميعًا قرارها.
من هنا، لا يبدو البحث المسيحي عن مظلة أمان أمرًا مستغربًا، ولا يجوز التعامل معه تلقائيًا بوصفه نزعة عنصرية أو طائفية. فلكل جماعة، حين تشعر بأن وجودها مهدد، حق في التعبير عن مخاوفها والبحث عن ضمانات تحميها. لكن مشروعية الخوف لا تعني أن كل حل يُطرح باسمه يصبح مشروعًا، كما أن حق المسيحيين في الأمان لا ينتقص من حق سائر اللبنانيين في الشراكة والمساواة. المطلوب هو نقاش الضمانات الممكنة ضمن دولة تحمي الجميع، لا محاكمة الخائفين على خوفهم.
وفي هذا السياق، يثير الخطاب التخويني الذي يستهدف مجموعات شبابية تطرح الفدرالية سؤالًا سياسيًا يستحق النقاش. فالفدرالية، سواء اتُّفق معها أم رُفضت، اقتراح لنظام سياسي يمكن مناقشة جدواه ومخاطره وآثاره على وحدة البلاد، وليست بحد ذاتها دليلًا على الخيانة أو العنصرية. وإذا كان من حق المعترضين التحذير من مخاطر التقسيم، فمن حق أصحاب الطرح أن يشرحوا دوافعهم، وأن تُناقش أفكارهم بالحجة لا بالتخوين.
أما المفارقة، فهي أن بعض الخطابات اللبنانية تتعامل مع مجرد طرح الفدرالية كأنه تهديد وجودي، فيما لا تواجه بالقدر نفسه مشاريع تتجاوز حدود الدولة اللبنانية، سواء أكانت قومية تدعو إلى كيان سوري أوسع أو إلى وحدة عربية، أم إسلامية تستند إلى مفهوم الأمة العابرة للحدود، من مشاريع الحاكمية إلى ولاية الفقيه. ليست المشكلة في حق أي تيار في طرح تصوره الفكري والسياسي، بل في أن يتحول هذا التصور إلى مرجعية فوق الدولة، أو إلى مشروع يفرض على اللبنانيين جميعًا خيارات الحرب والسلم والانتماء الإقليمي.
فإذا كان الدفاع عن خصوصية الجماعات وحقوقها يُدان باعتباره طائفية، فكيف تُناقش مشاريع سياسية أو دينية تمنح ولاءً عابرًا للحدود أولوية على المواطنة والدولة؟ ولماذا يُطلب من المسيحيين وحدهم أن يبرهنوا على براءتهم من نزعة التقسيم، فيما لا يُطرح بالجدية نفسها سؤال التوفيق بين الدولة اللبنانية ومشاريع سياسية تعلن مرجعياتها الإقليمية أو الدينية بوضوح؟
لا يقتصر الخطر، إذًا، على الجماعات التكفيرية التي تستهدف المسيحيين مباشرة. ثمة خطر آخر حين يصبح لبنان نفسه ساحة متقدمة لصراعات إقليمية، وحين تُختزل الدولة في موقع جغرافي أو وظيفة عسكرية ضمن مشروع يتجاوز حدودها. عندها لا يعود القلق المسيحي شأنًا فئويًا فحسب، بل يصبح جزءًا من أزمة وطنية تتعلق بمن يملك قرار الحرب والسلم، وبقدرة اللبنانيين على العيش في دولة لا تحتكر فيها أي جماعة أو قوة حق تقرير مصير الآخرين.
وليس المقصود هنا رسم خط جغرافي يفصل المسيحيين عن سواهم، أو تصوير المناطق اللبنانية على أنها كيانات طائفية صافية. فالتداخل السكاني والاجتماعي حقيقة لبنانية لا يمكن محوها، وأي مقاربة لمستقبل البلاد يجب أن تنطلق من حماية حقوق المواطنين جميعًا. لكن من المشروع أيضًا أن يناقش المسيحيون مستقبل مناطقهم، والخوف على أرضهم، وسبل ضمان بقائهم فيها، من دون أن يتحول هذا النقاش إلى تهمة جاهزة.
لقد تجاوزت المنطقة زمنًا طويلًا من استدعاء الذاكرة الانتقائية، من الحملات الصليبية إلى "الأم الحنون"، ومن اتهامات التقسيم إلى سرديات الخيانة. لا يمكن بناء مستقبل لبنان باستحضار هذه العناوين كلما عبّرت جماعة عن قلقها، ولا يمكن تبديد الخوف المسيحي بمجرد تذكير المسيحيين بأنهم شركاء في وطن متعدد الطوائف. فالشراكة لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة الدولة على توفير الأمن والحقوق، وبمدى خضوع الجميع لقانون واحد وقرار سياسي واحد.
ولعل السؤال الذي طرحه الرئيس صائب سلام، "لماذا المسيحيون خائفون؟"، يستعيد اليوم راهنيته، لا لأن الخوف قدر محتوم، بل لأن تجاهله لا يلغيه. من الكرك إلى سهل نينوى، ومن حلب إلى فلسطين، تتراكم تجارب تفرض على اللبنانيين الإصغاء إلى هذا القلق بدل تحويله إلى مادة للمزايدة.
إن حماية الوجود المسيحي في لبنان ليست امتيازًا لطائفة، ولا ينبغي أن تكون مشروع انعزال عن بقية اللبنانيين. إنها مسؤولية دولة يفترض أن تحمي مواطنيها، وأن تمنع تحويل البلاد إلى ساحة لمشاريع تتجاوز حدودها. أما إذا استمر التعامل مع المخاوف المسيحية بالتخوين، ومع المشاريع القومية والاسلامية العابرة للحدود بالتساهل أو الانتقائية، فلن يكون مستغربًا أن تتسع المسافة بين اللبنانيين، وأن يبحث كل فريق عن ضماناته خارج الدولة.
السؤال، في النهاية، ليس ما إذا كان يحق للمسيحيين أن يخافوا، بل ما الذي يجعلهم يخافون، وما الذي ينبغي أن تفعله الدولة كي لا يصبح الخوف سببًا جديدًا لانكماشهم وهجرتهم، أو مدخلًا إلى تفكك لبنان نفسه.
فحين يقرأ المسيحي رسائل تصدر عن أعلى مسؤول في السلطة التشريعية، تبدأ بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»، إلى جانب قوى وأحزاب فاعلة ومؤثرة في مجلس النواب، تعلن مرجعيات إسلامية تتجاوز أحيانًا حدود الدولة الوطنية، ألا يحق له أن يتساءل عن طبيعة هذا الخطاب ومدى قدرته على بناء وطن جامع؟
ليس الاعتراض على البعد الديني في خطاب أي مسؤول، ولا على حق الأحزاب الإسلامية في المشاركة السياسية، بل على التناقض المحتمل بين الدعوة إلى الوحدة الوطنية والتساهل مع مشاريع تجعل مرجعيتها الدينية أو العابرة للحدود مقدّمة على منطق الدولة والمواطنة. فهل تكون الوطنية توحيدًا بين مواطنين متساوين، أم انصهارًا يُطلب فيه من بعض الجماعات أن تتخلى عن هواجسها وخصوصياتها كي تطمئن الجماعات الأخرى؟
ولعل في مصطلح "الانصهار الوطني" نفسه ما يستحق التوقف: فالانصهار، في صورته المجازية، يفترض صهر مكونات مختلفة في قالب واحد. لكن الدولة لا تحتاج إلى صهر مواطنيها، بل إلى جمعهم على قواعد مشتركة تحمي اختلافهم. فالوحدة الوطنية ليست أن يذوب المختلف في الأكثرية، بل أن يشعر الجميع بأن الدولة وطنهم، لا واجهة لمشروع أي جماعة.
 

آخر الأخبار