إسرائيل تنتخب ولبنان يواجه خطر الحزام الأمني الدائم
اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب
المحرر السياسي- تدخل إسرائيل انتخاباتها في ظل انقسام سياسي يتجاوز التنافس التقليدي بين الأحزاب، ليطال تعريف الأمن الإسرائيلي، وحدود القوة العسكرية، وطبيعة الدور الذي تريد تل أبيب أن تؤديه في الإقليم. لكن خلف هذا الصراع على السلطة، ثمة تحوّل استراتيجي يستحق قراءة مستقلة عن هوية الفائز، انتقال متزايد نحو فرض الأمن بالقوة، عبر منع التهديدات قبل تشكّلها، وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية إلى ما وراء الحدود.
تبدو الانتخابات، في هذا المعنى، مواجهة بين محاور إسرائيلية تتنافس على قيادة الدولة وإدارة حروبها، أكثر مما تبدو استفتاءً على جوهر السياسة الأمنية نفسها. فالمواجهة مع إيران، والحرب في غزة، والتموضع العسكري في جنوب لبنان، لم تعد ملفات منفصلة تمامًا، بل باتت أجزاء من رؤية أمنية تربط استقرار الجبهة الداخلية الإسرائيلية بالقدرة على التحكم في محيطها.
ولا يعني ذلك أن الفوارق بين المعسكرات الإسرائيلية معدومة، أو أن نتائج الانتخابات لن تكون لها انعكاسات. فهناك اختلافات في أسلوب إدارة العلاقات مع واشنطن، وفي التعامل مع الضغوط الدولية، وفي الموازنة بين العمليات العسكرية والتسويات السياسية. لكن السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه الاختلافات ستصل إلى مراجعة العقيدة الأمنية ذاتها، أم ستبقى محصورة في وسائل تنفيذها وحدودها السياسية.
تكمن إحدى أبرز دلالات المرحلة في اتساع الاعتماد الإسرائيلي على فكرة الحزام الأمني. ففي غزة، أفضت العمليات العسكرية إلى تدمير مساحات واسعة بمحاذاة الحدود وفرض واقع ميداني جديد. وفي جنوب لبنان، انتقلت إسرائيل إلى إعلان نيتها إقامة منطقة عازلة، مع التمسك بخطوط انتشار عسكري تتجاوز الحدود الدولية، وربط الانسحاب بشروط أمنية وسياسية تضعها هي.
قد تختلف الظروف الجغرافية والعسكرية والسياسية بين القطاع الفلسطيني والجنوب اللبناني، ولا يصح التعامل مع التجربتين بوصفهما متطابقتين. لكن القاسم المشترك هو السعي إلى إبعاد مصادر التهديد عن الحدود، ليس بالضرورة من خلال تسوية تضمن استقرارًا متبادلًا، بل عبر إنشاء نطاق جغرافي يخضع لسيطرة عسكرية مباشرة أو لقيود أمنية تفرضها إسرائيل.
وهنا تبرز المسألة الأخطر بالنسبة إلى لبنان، هل نتعامل مع انتشار عسكري مؤقت تفرضه ظروف الحرب، أم مع محاولة لتكريس واقع أمني طويل الأمد يتحول تدريجيًا إلى أمر واقع سياسي؟ إن استمرار ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله، بالتوازي مع تدمير القرى والمنشآت وعرقلة عودة السكان، يثير مخاوف من أن تصبح المنطقة العازلة أداة لإعادة رسم الوقائع على الأرض، لا مجرد إجراء عسكري محدود زمنيًا.
لا ينبغي للبنان أن يختزل رهاناته في سؤال من سيحكم إسرائيل بعد الانتخابات. فحتى إذا تبدّلت القيادة، فإن التحدي الأساسي سيبقى في مدى استعداد الحكومة الإسرائيلية الجديدة للتخلي عن سياسة فرض الوقائع العسكرية، والقبول بترتيبات تحترم السيادة اللبنانية والحدود المعترف بها دوليًا.
وفي المقابل، لا يجوز افتراض أن جميع السيناريوهات متساوية. فقد تؤدي نتائج الانتخابات إلى تغيير في أسلوب التفاوض، أو في مستوى التصعيد، أو في طبيعة العلاقة مع الإدارة الأميركية، وربما في الاستعداد للبحث عن تسوية. لكن هذه المتغيرات لا تضمن وحدها تغيير المقاربة الأمنية التي ترسخت بفعل حروب السنوات الأخيرة.
من هنا، فإن الرهان اللبناني لا يمكن أن يكون انتظار تبدّل في المزاج الانتخابي الإسرائيلي، ولا التعويل على أن خلافات الأحزاب ستنتج تلقائيًا سياسة أكثر مرونة تجاه لبنان. المطلوب هو بناء موقف لبناني يستند إلى مرجعية الدولة، وإلى قدرة الجيش على تولي مسؤولياته، وإلى مسار تفاوضي يربط أي ترتيبات أمنية بانسحاب إسرائيل الكامل، ووقف الاعتداءات، وضمان عودة السكان إلى قراهم.
فإذا كانت إسرائيل تسعى إلى نقل خط دفاعها إلى داخل الأراضي اللبنانية، فإن لبنان معنيّ بمنع تحوّل هذا الأمر إلى قاعدة دائمة تحكم علاقته بالاحتلال . ولا يكفي رفض الاحتلال سياسيًا إذا لم يقترن ذلك بتصور عملي لاستعادة السيادة، وتثبيت الحدود، ومنع استخدام الجنوب ورقة في صراع المحاور الإقليمية.
قد تتغير الوجوه في إسرائيل، وقد تتبدل التحالفات الحكومية، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في طبيعة القرارات التي ستتخذها الحكومة الجديدة على الجبهتين اللبنانية والفلسطينية، وفي استعدادها للاختيار بين استمرار إدارة الصراع بالقوة والبحث عن تسويات قابلة للاستمرار.
بالنسبة إلى لبنان، لا تكمن الخطورة في نتائج الانتخابات الإسرائيلية وحدها، بل في احتمال أن يتحول الحزام الأمني من تدبير عسكري تبرره إسرائيل بضرورات الحرب إلى عقيدة دائمة تفرض على الأراضي اللبنانية واقعًا جديدًا.
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على أسماء الفائزين والخاسرين، هل تنتج الانتخابات الإسرائيلية تغييرًا في إدارة الأمن، أم تكرّس انتقالًا من الدفاع عن الحدود إلى إعادة تشكيل ما وراءها؟
فإذا كان التنافس الإسرائيلي يدور حول من يملك القدرة الأكبر على ضمان الأمن بالقوة، فإن التحدي اللبناني هو استعادة الدولة قدرتها على حماية الأرض والسيادة، بحيث لا يبقى مستقبل الجنوب رهينة التوازنات الإسرائيلية أو حسابات المحاور الإقليمية.