Skip to main content
رجوع إلى الرئيسية
المرصد

رئيس الجمهورية في طرابلس... مَن يخرق الطائف فعلاً؟

شكلت زيارة الرئيس جوزاف عون مفاجأة بعدما تعالت أصواتٌ تنتقده على خرقه اتفاق الطائف.
الرئيس جوزاف عون
تابع الأخبار فوراً

اخبار ليبانون تابلويد الآن عبر خدمة واتساب

اضغط هنا

المحرر السياسي- ليس اتفاق الطائف نصاً يُستدعى لتقييد رئيس الجمهورية كلما اتخذ موقفاً لا ينسجم مع حسابات بعض القوى السياسية- الطائفية، ولا تفويضاً مفتوحاً لأي سلطة كي تتجاوز حدودها الدستورية. لكن ما يثير الانتباه في السجال اللبناني الراهن هو أن صلاحيات الرئيس جوزاف عون باتت موضع نقاش حاد، فيما تفتح زيارته إلى طرابلس سؤالاً آخر، هل يُقاس احترام الطائف بمدى الالتزام بالدستور، أم بمدى مراعاة التوازنات التي استقرت عليها الحياة السياسية بعد الحرب؟

في الأيام الأخيرة، انتقدت أقلام سياسية سنية ترؤس عون اجتماعاً أمنياً، وذهبت إلى اعتبار ذلك مساساً بصلاحيات الحكومة، خصوصاً في ظل غياب رئيس الحكومة ووزير الداخلية. وهي اعتراضات تستحق النقاش الدستوري، لكن لا يجوز حسمها بمجرد الاستناد إلى اتفاق الطائف أو تحويل كل تحرك رئاسي إلى مواجهة بين الرئاستين الأولى والثالثة. فالمعيار هو طبيعة الاجتماع، وجدول أعماله، والصلاحيات التي مورست خلاله، لا مجرد انعقاده برئاسة رئيس الجمهورية.

غير أن زيارة عون إلى طرابلس، السبت، حملت مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها. فالرئيس حلّ في عاصمة الشمال، متفقداً السرايا والأجهزة الأمنية وقصر العدل والمرفأ والمنطقة الاقتصادية ومعرض رشيد كرامي الدولي، ومطلقاً مواقف واضحة عن حق المدينة في الإنماء، وضرورة إنهاء التهميش والإقصاء. وقال إن الإنماء ليس منّة من الدولة، بل حق للمواطنين، وإن لبنان لا ينهض بمنطقة أو طائفة وحدها، بل بمشروع الدولة والانتماء الوطني.

كانت الزيارة الأولى لرئيس جمهورية إلى طرابلس منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وفق بيان رئاسة الجمهورية. ومع ذلك، غاب عنها رئيس الحكومة نواف سلام، كما غابت وجوه سياسية تقليدية ارتبط تمثيل المدينة بها، من آل كرامي وميقاتي وتيار المستقبل. لا يكفي هذا الغياب وحده لإثبات وجود نية رئاسية في "الإبعاد" أو مقاطعة مقصودة أو تفسير دوافعها، لكنه يطرح سؤالاً عن طبيعة العلاقة بين طرابلس وزعاماتها، وعن المسافة بين تمثيل المدينة سياسياً وتحقيق مصالحها فعلياً.

طرابلس، التي لا ينقصها التاريخ ولا الإمكانات، عانت طويلاً من فجوة بين مكانتها الوطنية وحصتها من التنمية وفرص العمل والخدمات. ولا يمكن إعفاء الحكومات المتعاقبة أو القوى التي شاركت في إدارة الشأن العام من مسؤولية مراجعة هذا الواقع، أياً تكن طوائفها أو أسماؤها. فالتهميش ليس حكراً على عهد أو زعامة واحدة، بل حصيلة تراكمات سياسية واقتصادية وإدارية، لا تعالجها زيارة رئاسية مهما كانت دلالاتها.

من هنا، لا تبدو أهمية زيارة عون في أنها جاءت بغياب هذه المرجعيات، ولا في أنها تتيح للرئيس تسجيل نقطة في مواجهة خصومه، بل في الرسالة التي أراد إيصالها، طرابلس ليست ملكاً لزعاماتها، كما أن تمثيلها السياسي لا يمنح أحداً حق احتكار العلاقة بينها وبين الدولة. 

وهنا تبرز المفارقة الأوسع. فإذا كان بعض المنتقدين يخشون أن يؤدي توسيع دور رئيس الجمهورية إلى الإخلال بالتوازن الذي أرساه اتفاق الطائف، فإن السؤال المقابل هو، ماذا فعلت القيادات السنية البارزة لطرابلس، وصولاً إلى عكار، تجسيداً لمبدأ الإنماء المتوازن الذي نصّ عليه الاتفاق؟ وهل احترمت هذا المبدأ في الممارسة، أم تحوّل الطائف، في بعض القراءات، إلى أداة لحصر رئيس الجمهورية في دور "صورة عن حاكم"، فيما لا ينص الاتفاق على هذه الصورة أو على حصره بأن يرتبط عضويا برئيس الحكومة الذي لم تهمشه رئاسة الجمهورية بقدر ما همشته مواقع أخرى.

آخر الأخبار