تحليل المأزق الليبي من المنصّة الأميركية

الخميس 16 تموز 2020

تحليل المأزق الليبي من المنصّة الأميركية

 كتب الزميل بيير غانم مراسل العربية في واشنطن مقالة مهمة عن الواقع في ليبيا من الزاوية الأميركية.

عنوان المقال:واشنطن ضائعة بين حلفائها..تخاف روسيا وعودة الإرهاب لليبيا".

جاء فيه:

" كان من اللافت جداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحدّث منذ أيام إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وقال البيت الأبيض إن الرئيسين "ناقشا قضايا تجارة إيجابية بين الولايات المتحدة وتركيا، وشدّدا على أنهما يتمسكان بحلول يتمّ التفاوض عليها لشؤون المنطقة".

ولم يشر البيان إلى أكثر القضايا تعقيداً وسخونة، وهي قضية ليبيا، حيث أرسلت تركيا قوات عسكرية ومرتزقة ومتطرفين لمساعدة حكومة طرابلس، وهي تهدّد أيضاً بالتقدّم إلى مصراتة وسرت.

مصر تخشى المتطرفين

يبدو الموقف الأميركي من قضية ليبيا أيضاً وكأنه يفقد التأثير الميداني ويفتقد آليات الضغط على الأطراف.

 تؤكد مصادر "العربية" و"الحدث" في العاصمة الأميركية أن مصر أبلغت الحكومة الأميركية بما لا يقبل الشك أن ما يحدث في ليبيا هو جزء من الأمن القومي المصري، وتنظر مصر إلى التدخّل التركي في ليبيا من باب تدخّل غير مقبول من الدولة التركية في شؤون دولة عربية جارة لمصر، وتشاركها حدوداً تمتد آلاف الكيلومترات، ومنها انطلقت عمليات إرهابية ضد المصريين.

أبلغ المسؤولون المصريون الإدارة الأميركية أيضاً أن تركيا تنقل إلى ليبيا آلاف المقاتلين، ومنهم عدد كبير من المتطرفين، وكانوا ناشطين في سوريا إلى جانب تنظيمات إرهابية، وأن نقلهم إلى ليبيا لا يتوقّف عند الاستعانة بهم لدعم حكومة السرّاج في طرابلس، بل يتعدّاه إلى تكوين منطقة نفوذ، ينتشر فيها الإرهابيون بحماية حكومة محلية هي حكومة طرابلس، وسيعملون برعاية قوة إقليمية هي تركيا، وسيشكلون خطراً مباشراً على أمن مصر ودول الجوار.

لذلك أبلغت مصر أيضاً الحكومة الأميركية أن لديها خطوطاً حمراء، وأنها ستتدخّل عسكرياً في ليبيا، ليس لأنها تريد ذلك، بل لأنها ستكون مجبرة على ذلك، وأن "صاعق" التدخّل العسكري المصري هو تقدّم القوات التركية أو الميليشيات التابعة لها باتجاه مصراتة.

معضلة الأميركيين

تواجه الحكومة الأميركية مسألة ليبيا وكأنّها معضلة، فمن جهة لديها شريك استراتيجي هو مصر، والعلاقة بين الرئيسين، الأميركي دونالد ترمب والمصري عبدالفتاح السيسي، تعود إلى ما قبل الانتخابات الأميركية، ومبنية بشكل ثابت على تأييد ترمب لمصر في مكافحة التطرف وفي بناء دولة مصرية عصرية، كما تعتبر مصر أن الولايات المتحدة برئاسة ترمب أثبتت دعمها لها في كل المجالات وآخرها قضية "سد النهضة".

من جهة أخرى، لدى الولايات المتحدة الدولة التركية، وهي عضو في حلف شمال الأطلسي وتقدّم نفسها على أنها الحليف الضروري لمواجهة التوسّع الروسي في ليبيا.

من خلال البيانات الرسمية والحوارات مع مصادر الحكومة الأميركية يبدو واضحاً أن واشنطن منشغلة بالشأن الليبي لكن سياستها لا تتخطى "المحاولات الحميدة" لجمع المتناقضات.

"الحياد الأميركي"

تصف الحكومة الأميركية بحسب مصادر "العربية" و"الحدث" مقاربتها بـ"الحياد"، وتحاول ألا تأخذ موقفاً بين الأطراف وتريد منهم أن يعودوا إلى طاولة المفاوضات.

تعتبر حكومة الولايات المتحدة الآن أنه لا يمكن الوصول إلى حلّ في ليبيا عن طريق العمليات العسكرية، وأن على الأطراف أن يقرّوا وقفاً فورياً لإطلاق النار، وأن يحترموا حظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا، وأن يجلس الليبيون مع بعضهم للتوصل إلى حل سياسي متفاوض عليه.

فشلت حكومة الولايات المتحدة في دفع الأطراف إلى احترام أي من هذه البنود، وتعتبر واشنطن الآن أن أكثر ما يخرّب على مسارات التهدئة والتوافق على الحلول هو "كثرة الطبّاخين في المطبخ".

الإحباط الأميركي

تعاني الحكومة الأميركية بشكل خاص من أنها تبذل جهوداً ضخمة لإيصال الأطراف إلى "توافق" على أحد البنود الأربعة من سياستها، لكن الأمور تتبدّل خلال ساعات بخروج أحد الأطراف عما تمّ الاتفاق عليه، فيذهب الجهد ويعود الأطراف إلى التمترس والتهديد بالمواجهة.

هذا ما حدث الأسبوع الماضي تحديداً، وبرز بشكل واضح في بيانات السفارة الأميركية في ليبيا.

ففي يوم 10 يوليو/تموز نشرت السفارة الأميركية بياناً قالت فيه إنها ترحّب "بإعلان المؤسسة الوطنية للنفط الليبية رفع القوة القاهرة على الصعيد الوطني واستئناف عملها الحيوي نيابة عن جميع الليبيين، والتعاون مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لضمان عدم اختلاس الإيرادات والحفاظ عليها لصالح الشعب الليبي"، وأضافت أنها تشيد "بجهود جميع الأطراف الليبية لتسهيل عمليات المؤسسة الوطنية للنفط".

ويوم 12 يوليو/تموز، قالت السفارة الأميركية إنها تأسف لأن "الجهود المدعومة من الخارج أعاقت المهمة الحيوية للمؤسسة الوطنية للنفط وزادت من خطر المواجهة في ليبيا"، فخلال ساعات من الاتفاق انفرط عقد التوافق وعادت الأمور إلى المربّع الأول.

النفوذ الروسي

تتركز مخاوف الولايات المتحدة في ليبيا على أمرين، الأول وهو أن عدم حلّ مشكلة ليبيا سيعيد الأمور إلى ما كانت عليه في الأعوام 2012 وحتى 2015 عندما حلّت الفوضى وانتشرت التنظيمات الإرهابية، مثل القاعدة وداعش وأصبحت ليبيا ذات المساحة الشاسعة مركزاً لمعسكرات تدريب الإرهابيين ونقطة انطلاق الانتحاريين إلى العالم.

الأمر الثاني الذي يشغل الأميركيين هو انتشار النفوذ الروسي في بلد اعتقد الأميركيون أن روسيا فقدت نفوذها فيه مع سقوط نظام القذافي.

بيان القيادة العسكرية الأميركية لمنطقة إفريقيا أشار صباح الأربعاء إلى أن لديها "أدلة واضحة على أن مجموعة "فاغنر" الروسية، العاملة للدولة والمدعومة من قبلها، قامت بزرع ألغام أرضية وعبوات ناسفة في طرابلس وحولها، منتهكة بذلك الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على الأسلحة ومعرِّضة حياة الليبيين الأبرياء للخطر".

ونشرت القيادة العسكرية الأميركية الصور وذكّرت أن روسيا نقلت 14 طائرة من طراز ميغ-29 من روسيا إلى سوريا ثم إلى ليبيا، وقالت إن استخدام روسيا للشركات العسكرية الخاصة في ليبيا ليس إلا جزءاً من تاريخ طويل في "استخدام هؤلاء الفاعلين غير الحكوميين كأدوات لاستعراض القوة"، وأضافت أن الشركات العسكرية المدعومة من قبل روسيا تنشط "في ست عشرة دولة عبر القارة الإفريقية".