د.إيلي شديد:هل يقضي كورونا على العولمة؟

الخميس 09 نيسان 2020

د.إيلي شديد:هل يقضي كورونا على العولمة؟

 تنشر" ليبانون تابلويد" هذه المقالة المعمّقة للدكتور إيلي شديد يطرح فيها السؤال التالي:هل ساهم وباء كورونا في القضاء على العولمة؟

"بعد إنتهاء الحرب العالمية الثّانية عام 1945، تولّت كلٌّ من الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد السوفياتي قيادة العالم سياسيًّا في تلك الفترة. ومع إنهيار الإتحاد السوفياتي عام 1991 وما تركه من نتائج سلبيّة على الإقتصاد للدول المكوّنة لهذا الإتحاد، إستغلت الولايات المتحدة الوضع لتفرض هيمنتها على العالم لنتحوّل من حكم ثنائي القطب للعالم monde bipolaire  الى حكم آحادي الجانب monde monopolaire  تقوده الولايات المتحدة الأميركية.

في مطلع التسعينات، ومع خلو الساحة السياسية للولايات المتحدة من منافس قوي، إستغلت الوضع لفرض هيمنتها على العالم بشتى الوسائل المتوفرة، ورافق هذه الجهود إقامة مؤسسات اقتصادية رأسمالية على نطاق عالمي: مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي واتفاقية الغات ومنظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات الاقتصادية العالمية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة ، هذا فضلا عن دور الشركات المتعددة الجنسيات وعشرات الاتفاقات التجارية الثنائية أو متعددة الأطراف مع مختلف دول العالم.

استعملت الولايات المتحدة أسواقها الداخلية، بحيث عمدت على فتحها أمام حلفائها وجعل اقتصادات هذه البلدان مرتبطة بالاقتصاد الأمريكي وتابعة له، وإستطاعت عولمة العالم، أي تحويله الى  قريةٍ كونيةٍ. والعولمة هي ظاهرةٌ عالميّةٌ تسعى إلى تعزيز التبادل بين دول العالم في المجالات الماليّة، والتجاريّة والاقتصاديّة وغيرها، من خلال تعزيز انتقال الخدمات، والسّلع، ورؤوس الأموال دون قيود أو حواجزَ، وتدعو الى فتح الحدود بين الدول.

 

للعولمة مقومات عدة منها: تنامي حركة التبادل التجاري العالمي في السلع والخدمات بعد تطور وسائل الإتصالات والمواصلات، تشابه وتسارع الأنماط الإستهلاكية وإنتشارها في مختلف أرجاء العالم ، تبادل سريع للمعلومات من خلال شبكة الإتصالات التي ربطت العالم بعضه ببعض، وإنتشار الشركات المتعددة الجنسيات في مختلف دول العالم. وقد لاقت ظاهرة العولمة تهليلاً كبيراً بين عددٍ من شعوب العالم، إذ أصبح بإمكانهم التنقل من دون حواجزَ تعيق حركتهم، وحيث أصبح مفهوم الدولة الأمّة محل تشكيك بسبب تطور التّدفقات والشبكات التي تجعل مفهوم الدولة جزئياً قديماً عفا عنه الزمن.

وفي كانون الأول 2019، تعرّضت الصين لفيروس الكورونا ،لأسباب مازالت مجهولة . وسرعان ما إنتشر الى جميع دول العالم، مستغلّاً فتح الحدود بين الدول لأسباب تجارية مما دفع بجميع دول العالم الى إقفال حدودها إمّا البحرية أو البرية أو الجوية، أما الأسباب الموجبة للإغلاق لمنع انتشار وباء كورونا، فهي أمر بديهي من مُنطلق حرص كل دولة على صحة مواطنيها ، وهي إجراءات من الأرجح أن تكون مؤقتة إلى حين تراجع أو إنتهاء هذا الوباء وهي ممارسات تُخالف مفهوم العولمة التي تدعو إلى التواصُل وفتح الحدود بين الدول .

وتسبب إنتشار فيروس كورونا في العالم، بأ ضرار في الاقتصاد العالمي  بسبب العولمة  وسياسة  فتح الأسواق على بعضها البعض ، فضلا عن إحــداث تراجع حاد في أسواق الطاقـة  حيث بلغ سعر برميل النـفـط حوالي 22  دولار أميركي  بعـد أن كان قد تجـاوز 60 دولار أميركي في نهاية 2019 ، إضافة الى تدهور قيمة  العملات والسلع والمواد الاستهلاكية وحركة الطيران ، وإغلاق عدد ضخم من المحال التجارية والمقاهي، وتوقف كل الحفلات الخاصة سواء في الفنادق أو غيرها، وأسفر ارتفاع عدد الإصابات بفيروس كورونا، إضافة الى ارتفاع الوفيات بشكل مستمر منذ مطلع العام الحالي وحتى الآن  حيث بلغ عددهم حوالي 75000 حالة وفاة ، إلى تخفيض توقعات النمو الاقتصادي العالمي في 2020 من قبل معظم المحللين الاقتصاديين والماليين حول العالم. وقد تباينت تلك التخفيضات لنمو الاقتصاد العالمي بين 0.4%و1.5%، بمعنى آخر إلغاء ما يقدر بـ 400 مليار دولار إلى أكثر من تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في النصف الأول من العام الحالي". ووفق التقرير الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة التنمية "أوكتاد" إن الإنكماش في إنتاج الصين بنسبة 2% له آثار مضاعفة على مجمل الإقتصاد العالمي تم تقديره بحوالي 50 مليار دولار بين الدول، وهذا الأمر يعود الى أن الصين أصبحت في السنوات الأخيرة أكبر مصدر وجزءاً لا يتجزأ من شبكة الإنتاج العالمية، وخلال الأسابيع الأولى من ظهور هذا الوباء العالمي خسرت البورصات العالمية أكثر من 17 تريليون دولار .

إزاء هذا الواقع الكارثي للإقتصاد العالمي، وإنخفاض نسبة المبادلات التجارية بين الدول بسبب إقفال الحدود في ما بينها، بدأنا نلحظ دعوة للجوء الى الإنتاج المحلي للزراعات والسلع الصناعية وعدم الإعتماد على الإستيراد من الخارج، كون الإستيراد في هذه الفترة أصبح من سابع المستحيلات.

هل هذا الوباء هو المسؤول عن كل هذه الخسائر؟ أم بنية النظام العالمي الذي يرتكز على العولمة ومبدأ فتح الحدود بين الدول كانت ضعيفة وغير مجهزة لمواجهة هذا النوع من التحديات؟ هل ساهم فيروس كورونا في إقفال حقبة العولمة؟ هل سيظهر قطب جديد يقود العالم إقتصاديًأ و سياسيًا؟ أم ستبقى الهيمنة للولايات المتحدة الأميركية؟ أم سيكون هناك توزيع للأدوار بين الأقطاب التي قد تكون مهيمنة في المستقبل؟ الأيام المقبلة كفيلة بتثبيت هذا الواقع."