وادي حربا في البترون وزيارة البطريرك الأول

السبت 01 آب 2020

وادي حربا في البترون وزيارة البطريرك الأول

 .ريبورتاج... أنطوان سلامه- يأخذك المشوار الى وادي حربا، أنتَ الذي تسكن بيتا،على تلة تُشرف عليه، في بلدة راشانا-قضاء البترون

المنظر من فوق رائع...

هذا الوادي الذي يقدّسه "الموارنة" لأنّ فيه عاشوا البدايات اللبنانية، وانطلق منه بطريركهم الأول يوحنا، عاندوا فيه "الأعداء" من بشر وحجر.

أول من عرفني على هذا الوادي "مارون عبود" الذي جذبني وصفه للصخور والأدغال في "أحاديث القرية".

بقي وصفه في بالي طويلا، وكأنّه وادي الكنوز المرصودة والأسرار الغامضة.

 

 

شاءت الظروف أنّ أسكن على تلة من تلاله، فأكدّ انجذابي اليه، أنني أميل الى الوادي أكثر من الجبل.

ربما كان الأب ميشال الحايك محقا حين حدّد الوادي بأنّه "جبل  بالمقلوب"...

للمرة الثانية أزور وادي حربا، حبّا بالمشي في العراء، وهذه رياضتي المفضّلة...

من جسر المدفون توغلا ، تصعد... وفي بالك "جربتا" التي هرب منها أجدادك في اتجاه كفردبيان، كأنّ هذا المنخفض يقودك حكما الى الأصل ...

ربما "مشى " قبلك أجدادك على "طريق القمح" الذي يمتد الى سهل البقاع حيث يخزّنه الرومان...

أو استشهد "قريب لك" في معركة العام ١٢٩٣ ضد المماليك الذين غزوا الوادي للوصول الى جبيل، لكنّ موارنة التلال هبطوا، كمنوا، قتلوا، ليتحوّل الاسم إشارة : هنا "جسر المدفون" الواقع على مرمى بلدة "تحوم" التي اتخذّت هذا الاسم من "تحوم المعركة" بين مدافع عن أرض، ومهاجم ...

انّه التاريخ...تقول لنفسك وأنت تمشي، وتمشي، محاولا البحث عن "الرجمة" التي انفتحت لجماجم الأعداء.

 

 

يصدمك معمل للصخر...تتقدّم.

لا اعتداء على الطبيعة الصخرية القاسية، احترام مقبول للبيئة، برغم أنّ المعمل يؤذي النظر...

صوت "موتور الكهرباء" والمناشير تُزعج...

معاد تُشرف من الأعالي، ومعاد "تلتين البلاد" كما قيل...

تُكمل.

لا تعب...

الدرب سهلة، واللجنة المولجة حماية الوادي، وضعت إشارات حمراء، بعناية ولطف، على الزوايا كدليل لا يُخطئ...

تعبر مع ظلال تعبر معك الى فوق...

على شمالك شير راشانا حيث "قلاية" في الصخر، والقلاية عادة يسكنها الأسقف...

قلاية في الفضاء لا يطالها الا العقاب....

 

 

على الشمال بلدة  فغال بمنحدر حاد لا يطلع من صخوره الا السنديان، وفي أسفل المنحدرات، على ضفتي النهر الشتوي، عاش الفلاحون الأوائل  تجربة "تفتيت الحجر"...

مساحات ضيقة لا تزال شاهدة، بزيتونها وحفافيها، على نشاطات زراعية قوامها  الزنود...

تنوّع بيئي رائع....

 

 

صخور هي منحوتات...

تتذكر ميشال بصبوص الذي اعترف أنّه تعلّم النحت من ذوبان الشمع وأشكال الحجر "البريّ" في راشانا ومحيطها الطبيعي.

تندهش، وتتابع...

 

 

لا حياة لمن تنادي، الا ما تراه من سرير "الحطّاب" في قلب شجرة زيتون...

يفاجئك المنظر وأنت في القرن الواحد والعشرين...

سرير معلّق ينام عليه الحطاب كما عاش مارمارون ناسكا على عمود...

حطاب لا يملك الا الفحم تحته، و"حمار" تحت شجرة توت...

 

 

ما تلاحظه في رحلتك، أنّ أهالي جوار الوادي يحترمون الطبيعة(حتى اشعار آخر)...لا حفريات وردميات...لا من يدّ تشوّه...

يُحكى عن معارضة الأهالي  شق الطرقات...

الوادي مكانٌ مقدّس.

وحين  تصل الى مشارف دير القديسة رفقا، يأخذك التعب بعد ساعتين من النظر والاندهاش واسترجاع  ماض، سكن فيه الأجداد هذا "الجبل بالمقلوب" احتموا فيه، بنوا على تلاله، كنائس وأديرة ومناسك وقلايات ومدارس....

 

 

بقيت ظلالهم الآن، بعدما هجروا الوادي، تباعا، منذ انكسارهم في الحملة "التأديبية" التي شنها المماليك العام ١٣٠٥ فأحرقوا جنى الأعمار...

من الوادي صعد الناس الى التلال المشرفة عليه ليعيشوا ويعاندوا....

في زاوية الوادي، قبل أن تصل الى الطريق العام، حجر صغير يؤرخ "البطريرك الماروني الأول ومؤسس الكنيسة البطريركية" الآتي الى البترون من مسالك نهر "العاصي"...

هذا البطريرك تلميذ انطاكية والقسطنطينية ومدارس الأوجاع والهرب...

 

 

 

تكريما له، أطلق الأهالي على "نبع"  هناك،اسم مار يوحنا...

يعتقدون أنّ جرنه مهما أخذت منه ماء، لا ينضب، ولا ينقص منسوبه...

جرن ماء من عجائب الدنيا السبع.