أبعد من الفساد في معاقبة جبران باسيل

السبت 07 تشرين ثاني 2020

أبعد من الفساد في معاقبة جبران باسيل

 أنطوان سلامه- بين طرد "العونيين" طاقم السفارة الأميركية في بيروت في أيلول ١٩٨٩ وانتظار مايك بومبيو والوفد المرافق له عشر دقائق في قصر بعبدا في آذار ٢٠١٩ تكتمل الصورة

بومبيو انتظر واقفا في القصر الجمهوري، تعلّم العبرة من الصورة المذلّة لسابقه ريكس تيلرسون جالسا وحيدا ينتظر قدوم الرئيس عون...

بعكس ما يعتقد البعض، تمتلك الخارجية الأميركية ذاكرة، تتصرّف من خلالها، حين تدعو مصالحها، أن تتصرّف انطلاقا من الملفات المتراكمة.

قد يقول "العونيون"انّ القرار "سياسي" كما قال قبلهم رئيس تيار المردة سليمان فرنجيه في معاقبة الأميركيين، القريب منه، الوزير السابق يوسف فنيانوس، لكن المسألة تكمن في مكان آخر.

في معاقبة التيار الوطني الحر وتيار المردة، ملف متكامل وموثّق، يتجاهل المعنيون به، فسادهم، تحديدا في شقه المتعلّق باستغلال السلطة.

في هذا الملف، نجح الاميركيون في تضمين قرارات عقوباتهم اتهامات فيها من الدخان ما يؤكد نارالفساد الخفية والظاهرة .

تتخطى العقوبات الأميركية الفساد كهدف، لتستغله كوسيلة.

تهمة الفساد يتخطاها القياديون اللبنانيون طالما أنّ محاسبتهم لا تؤمنها أعراف المحاسبة في الأنصار، أو في المؤسسات السياسية والقضائية اللبنانية.

الفساد تفصيل، لأنّه لبنانيا، يندرج في إطار "الشطارة"، هذا ما تعتقده شريحة واسعة من اللبنانيين خصوصا الأنصار منهم.

أخطر ما في العقوبات الأميركية أنّها تطال زعماء يتحركون في دائرة مسيحية واسعة.

تصطاد العقوبات الأميركية خيارات في هذه الدائرة.

أول مرة في تاريخ المسيحيين، تقطع قيادات التيار الأوسع والأعمق في بيئتهم، علاقاتها مع الغرب، في خطوة يبدو البديل منها، لا يرتكز الى منطق حسابي في الربح والخسارة.

غالى التيار الوطني الحر في "التبعية" في خط "الممانعة".

هذا الخط أعطاهم "السلطة" لكنّه أفقد المسيحيين دورهم التاريخي.

حين ترك الموارنة لغتهم السريانية واعتمدوا اللغة العربية، شجعهم المرسلون الأجانب، ويحكى عن مباركة فاتيكانية لهذا الانتقال، ليكون الموارنة "المترجمين" وصلة التواصل بين الشرق الإسلامي-العربي، والغرب اللاتيني(هذا سببٌ جزئي في كل).

وفي عزّ المواجهات التي خاضها الموارنة، مع قوى هذا الشرق، لم يقطعوا صلاتهم فيه، حتى بشير الجميل الذي ذهب الى تل أبيب، أبقى تواصلا مع ياسر عرفات وفريقه، ومع حافظ الأسد ومعاونيه، وانفتح شرقا في اتجاهات سعودية ومصرية وعراقية.

مشكلة التيار الوطني الحر أنّه قطع الجسور الا ذاك الجسر المؤدي الى طهران مرورا بدمشق.

حصد التيار من هذا الجسر وصولا الى بعبدا ليس أبعد...

وحين وصل اتضح أنّه لا يملك أيّ استراتيجية، أو أيّ برنامج حكم في ظل التوازنات الدستورية للطائف.

وإذا كانت علامات الاستفهام تحوم حول تمسك التيار بوزارة الطاقة ودررها، فإنّ الخيارات الخارجية شكلّت  "المقتل"، بعدما حوّل التيار وزارة الخارجية اللبنانية الى ناطق باسم خط "الممانعة".

غالى العونيون في الاسترسال في التبعية، وما يؤكد هذا التوصيف، أنّ حزب الله يجلس اليوم على طاولة المفاوضات غير المباشرة  مع إسرائيل، ويُبقي النظام السوري خطوطه غير المقفلة في كل الاتجاهات، شرقا وغربا، وسيجلس الإيرانيون  في غرف المفاوضات مع الأميركيين في المدى المنظور.

تبريرات العونيين لخياراتهم، أنّ الغرب خبيث، وأنّه لا يمكن الوثوق بالأميركيين، صحيح، لكن من يضمن أنّ حلفاءهم الجدد قديسون.

سيجد التيار الوطني الحر في حزب الله دعامة في هذه المرحلة، لكنّه مدعو الى إعادة وصل ما انقطع، خصوصا أنّ المنطقة من بلاد فارس الى شاطئ المتوسط مرورا بالخليج العربي تشهد تغييرات، وفي هذه التغييرات لا تنفع "التبعية المُربحة سلطويا" بل هي قاتلة خصوصا لمن لا يعرف حفظ رأسه حين "تغيير الدول"...

المسألة لا تتعلّق بجبران باسيل، أثبت هذا الرجل أنّه واحد من السياسيين اللبنانيين التقليديين، بكل ما تحمل السياسة اللبنانية من فساد...

المسألة أنّ المسيحيين يدفعون مرة جديدة ثمن رهانات زعمائهم الخاطئة أو المميتة.

أهمل المسيحيون مؤخرا نص السينودوس من أجل لبنان، وفيه تشديد على الانفتاح على المحيط، والمحيط ليس فقط سوريا وإيران، المحيط أبعد بكثير...