جمعية نساند تعيد رسم هوية بيروت الثقافية التي محاها الإنفجار

الأحد 15 تشرين ثاني 2020

جمعية نساند تعيد رسم هوية بيروت الثقافية التي محاها الإنفجار

هل سبق واختبرت المشاعر المتضاربة؟ أن يجتمع الحزن والفرح في آنٍ واحدٍ في قلبك؟ حسناً، هذا ما ستشعر به عندما تجول في أحياء مار مخايل والجميزة في بيروت. ستحزن على ما فعله الإستهتار ببيروتنا، لكنك ستفرح عندما تتأكد أن هذه المدينة لا تموت. لا تموت لأن أبناءها يعيدون بناءها، ليس ذلك فحسب، بل يحاولون أيضاً الحفاظ على طابعها الثقافي والتراثي.


"نساند"، إسمٌ يتردد صداه في المباني التي يُعاد تأهيلها، ومن بينها مبنى "سليم غلام" في منطقة الرميل. عندما تذكر إسم هذا المبنى في مار مخايل، تعود الذاكرة بأبنائه لحقباتٍ عدة عايشتها بيروت. فتدمع عينا إحدى النساء وهي تخبرنا عنه وتقول: "يعود هذا البناء لعام 1860، كنا نرى فيه تراثنا وثقافتنا"، مضيفةً: "رغم مرور حروب عدة على هذا المبنى إلا أنه بقي صامداً لحين أتاه الغدر من حيث لم يدرِ أحدٌ".
تدخل المبنى، فترى قناطره العالية التي تآكلتها آثار الإنفجار وحيطانه التي تخبرك قصة مبنى عمره نحو 160 عاماً مصنّف ضمن المباني الأثرية ذات الطابع التراثي من قبل وزارة الثقافة. ويقول أحد سكان المباني المجاورة أن لهذا المبنى حكاية خاصة، فهو مكوّن من 3 طوابق وقد تصدع بشكلٍ كبير يوم الانفجار، علماً أنه كان قد شُيّد على مر حقبات عدة وهو ما تبيّنه المواد المختلفة التي استُخدمت في تشييده ما بين حجر صخري في الطابق الأول وحجر رملي في الثاني وحجر قرميد في الثالث.
جمعية "نساند" التي تشكّل الممول الأساسي لإعادة إعمار المبنى والتي تهتم بتقييم المباني والعائلات الأكثر حاجة، تهدف من خلال ترميمه الى الحفاظ على تراث بيروت ووجهها الثقافي بالتعاون مع "مبادرة حسن الجوار". لذا لا تعمل الجمعية فقط على إعادة المبنى ليكون قابلاً للسكن، بل لكي يعود أفضل مما كان عليه.
أعمال الترميم تختلف عن تلك التي تُعتمد في ترميم المباني الحديثة، نظراً لاختلاف المواد التي تُستخدم في ترميم المباني الأثرية، إذ لا يمكن استخدام مواد كيميائية وذلك للحفاظ على الأحجار، ويتم حالياً جمع مبالغ مالية للتمكن من تحسين الشكل الخارجي للمبنى كذلك.
بيروت الحزينة لم تُترك لتتخبط في مأساتها وحيدة، فها هي هذه المدينة التي محى الإنفجار معالمها الأثرية تعيد لملمة نفسها بمساعدة "نساند". فهذه الجمعية لا تحدّ مجهودها بايواء الناس وتأمين الأكل لهم فحسب، بل أنها تعيد رسم بيوتهم بآثارها ووجهها الثقافي اللبناني. فلا يختلف اثنان على أن المباني الأثرية هي جزء أساسي من تاريخ لبنان، فهي الشاهد الأبرز على ما صنعه أجدادنا. أما أمام هول الكارثة التي حلّت ببيروت، قد يكون هَمّ عمّال الخير تأمين السكن للمتضررين من دون إعطاء الأهمية للعوامل الأثرية أو غيرها نظراً لصعوبة الظروف، لكن أن نرى جمعيات ما زالت تعير أولوية لهوية بيروت الى جانب إعادة ايواء سكانها، فهو أمر تُرفع له القبعة.