أحياء... في زمنهم

الثلاثاء 29 أيلول 2020

أحياء... في زمنهم

 صرخة

جوزف أبي ضاهر-غدًا سيرحلون، وسيرحل جميع مَن ظنناهم أولياء علينا. غدًا سيلاعب الهواء كلّ واحد منهم ويناغشه:

­ أنا ما زلت موجودًا..! وهؤلاء الناس الذين أوصلوني إلى ما حلمت به وسعيت إليه، ما زالوا على قيد الحياة؟

ألم يذهبوا مع موج الحقد الأسود الذي جرف المرفأ وما فيه وما عليه، وأخذ جيرانه الذين حلموا وكابروا بأنهم يعيشون ذكريات حلوة، تأتي إليهم مع المراكب وأخبار البحارة وأصوات الموج الذي لم يهدأ... حتّى جاءت «الضربة القاضية» فأسكتته، ورمت فوقه الحجارة والتراب وجميع الذين صفقوا له يوم حمل الخيرات إليهم، وعتبوا عليه يوم ودّعوا فيه أحبّة وأصدقاء ورفاق، خطفتهم الأحلام الورديّة إلى ما وراء البحار، حيث التربة تُزرع قمحًا، لا ناسًا تموت وتنتظر ربيعًا قد لا يأتي، لتعود فتنهض مع أسطورة الفينيق الذي سمعوها أكثر مما سمعوا النشيد الوطني...

مهلاً: هل ما زال النشيد الوطني يُنشد حين يرتفع العلم الذي نسي الطغاة أن في وسطه أرزة، هربت من فؤوسهم ونزواتهم؟

وصف «ليون تولستوي» أحد أمثال هؤلاء الحكّام الأشاوس بأنّه: «كان يحب إشعال الرعب في الناس، ومن حوله... ويعتقل منتقده» (الاعتقال يتم بالقانون).

في يوم، حمل إليه كبير وزرائه ملفًا عن الفساد. قبل أن يفتحه الحاكم قال:

­ أظن أن في هذه البلاد رجلاً واحدًا أمينًا ونزيهًا».

فهم الوزير المعنى بضرورة عدم الكشف عن الفاسدين، فاستعاد الملف وأجاب بابتسامةٍ لزوم التأكيد:

­ «أجل، وهذا الرجل هو جلالتكم»..(!).

... و«الجلالة» تختصر جميع ألقاب من يُفرضون علينا: أن نختار إحداها، عند ذكر مَن يتحكّمون بنا إلى حين... وغدًا لناظره قريب:

غدًا سيرحلون، ويا خوف فؤادي من غد يصل عبر ميناء مرافئ الأحلام، أو على أجنحة «بساط الريح» الذي أمسك به علاء الدين وخبأه في حكاية «ألف ليلة وليلة»... التي لم يغمض لنا فيها لا الجفن ولا الوجع الذي لن نشفى منه، قبل اطباق عيون المحدّقين بنا إلى الأبد... ويحسدوننا على أننا ما زلنا أحياء في زمنهم.

josephabidaher1@hotmail.com